إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، صلى الله عليه، وعلى آله، وصحبه، ومن والاه.
ليس هناك حق بعد حقوق الله ورسوله أوجب على العبد ولا آكد من حقوق والديه عليه، ولهذا فقد أمره الإسلام ببرهما والإحسان إليهما، وقرن ذلك بعبادته وطاعته، فقال عز من قائل: " وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًاً "[الإسراء - 23] ونهى وحذر من عقوقهما، وعصيانهما، والإساءة إليهما، وعدَّ ذلك من أكبر الكبائر وأعظم العظائم، فعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، قيل: يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسبُّ الرجل أبا الرجل فيسبّ أباه، ويسبُّ أمه فيسبّ أمه".
بل قرَنَ شكرهما بشكره، فقال: "أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ" [ لقمان-14]، فمن لا يشكر لوالديه فإن الله غني عن شكره، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "ثلاثة مقرونة بثلاثة، قال تعالى: " وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ"، فمن أقام الصلاة ولم يؤت الزكاة الواجبة لا تقبل له صلاة، وقال: "وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ"، فمن أطاع الله ولم يطع الرسول لا يقبل الله طاعته، وقال: "أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ "، فمن شكر لله ولم يشكر لوالديه لا يقبل الله شكره"، أوكما قال:
بل جعل رضاه في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما.
فالسعيد السعيد من وفق بعد تقوى الله عز وجل لبر والديه – أحياءً وأمواتاً – والإحسان إليهما، والشقي التعيس من عقَّ والديه وعصاهما وأساء إليهما ولم يرع حقوقهما، فبر الوالدين سبب من أسباب دخول الجنة، وعقوقهما من أقوى أسباب دخول النار: "الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضع ذلك الباب أواحفظه"
عن ابن عباس رضي الله عنهما يرفعه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم: "من أصبح مطيعاً لله في والديه أصبح له بابان مفتوحان من الجنة، وإن واحداً فواحد، ومن أصبح عاصياً لله في والديه أصبح له بابان مفتوحان من النار، وإن كان واحداً فواحد؛ قال رجل: وإن ظلماه؟ قال: وإن ظلماه، وإن ظلماه، وإن ظلماه".
فيا سعادة البارين بوالديهم، ويا تعاسة العاقين لهما، إن كنت أخي المسلم باراً فازدد في برك لهما أحياءً وأمواتاً، وإن كنتَ عاقاً فعليك أن تتوب من هذا الذنب العظيم، وتحاول إدراك ما يمكن إدراكه، واعلم أنك كما تدين تدان، ولله در القائل: بروا آباءكم تبركم أبناؤكم، وعفوا تعف نساؤكم.
واحذروا أيها الأبناء والبنات عقوق الأمهات، فإن برهن وحقهن آكد من بر الآباء وحقهم، واعلموا أنه ما من جرم يعجِّل لصاحبه العذاب في الدنيا مع ما يُدَّخر له في الآخرة أخطر من عقوق الوالدين وقطيعة الرحم.
من فضل الله علينا ورحمته بنا فإن بر الوالدين لا ينقطع بموتهما، وإنما يستمر بالدعاء والاستغفار والتصدق لهما، وبصلة أقاربهما وأرحامهما، وبصدق التوبة والندم على ما مضى من تقصير، فإن فاتك برهما أوأحدهما أحياء فلا يفتك استدراك ما يمكن استدراكه وتحصيل ما يمكن تحصيله، قبل أن يُحال بينك وبين ما تشتهي، حين تأتيك المنون، وتبلغ الروح الحلقوم، وتحرم عما كنت تروم.
التوقيع
قال الشافعي :
أخي لن تنال العلم إلا بستة
سأنبيك عن تفصيلها ببيانِ
ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة
وإرشاد شيخ وطول زمانِ
البر : كلمة جامعة لخيري الدنيا والآخرة، وبر الوالدين يعني الإحسان إليهما وتوفية حقوقهما، وطاعتهما في أغراضهما في الأمور المندوبة والمباحة، لا في الواجبات والمعاصي، والبر ضد العقوق، وهو الإساءة إليهما وتضييع حقوقهما.
ويكون البر بحسن المعاملة والمعاشرة، وبالصلة والإنفاق، بغير عوض مطلوب.
~ تعريف الوالدين ~
الوالدان هما الأب والأم، سواء كانا من نسب أورضاع، مسلمين كانا أم كافرين، وإن عليا، فالأجداد والجدات، آباء وأمهات، سواء كانوا من قبل الأب أوالأم، والخالة بمنزلة الأم ..
~ حكم بر الوالدين ~
بر الوالدين فرض واجب، وعقوقهما حرام ومن الكبائر.
دليل الحكم الكتاب والسنة والإجماع.
فمن الكتاب قوله تعالى: " وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا". [الإسراء 23]
ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم وقد سأله رجل قائلاً: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: "أمك"، قال: ثم من؟ قال: "أمك"، قال: ثم من؟ قال: "أمك"، قال: ثم من؟ قال: "أبوك"، منفق عليه وفي رواية: "ثم أدناك أدناك".
وقوله صلى الله عليه وسلم: "رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف، من أدرك أبويه عند الكبر، أحدهما أوكليهما، فلم يدخل الجنة". رواه مسلم : 2551
وقد أجمعت الأمة على وجوب بر الوالدين وأن عقوقهما من أكبر الكبائر.
~ فضل بر الوالدين ~
بر الوالدين والإحسان إليهما من أقوى الأسباب لدخول الجنة، ولنيل رضا الله عز وجل، وقد ورد في ذلك العديد من الآيات والأحاديث والآثار، نشير إلى طرف منها:
1. عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "سألتُ النبي صلى الله عليه وسلم: أيُّ العمل أحبُّ إلى الله تعالى؟ قال: الصلاة على وقتها؛ قلت: ثم أيُّ؟ قال: بر الوالدين؛ قلت: ثم أيُّ؟ قال: الجهاد في سبيل الله".متفق عليه
2. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يجزئ ولد والداً إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه". رواه مسلم وأبو داوود والترمذي
3. وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضع ذلك الباب أواحفظه". رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح
مشكلتي تتلخص في أن أبي وأمي على خلاف دائم ذلك لأن أبي ذو أسلوب لاذع جارح وهو ذو شخصية غامضة كتومة جافة .
أنا وإخوتي نخاف منه كثيرا ولا نتبادل معه أي حوار إلا في حدود سطحية . أحب أن أرضي ربي لأحظى بالجنان وقد قرأت عن أهمية بر الوالدين لهذا فأنا في حيرة بالغة وهي كيف أبر والدي لا أدري لذلك سبيلا ؟.
الحمد لله..
فقد قرن الله تعالى الإحسان إلى الوالدين بالأمر بعبادته وتوحيده ، فقال سبحانه : ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ) الإسراء / 23 .
وقال : ( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ) النساء / 36 .
وهذا دليل على أهمية بر الوالدين والإحسان إليهما.
وبر الوالدين يكون بطاعتهما واحترامهما وتوقيرهما ، والدعاء لهما ، وخفض الصوت عندهما ، والبشاشة في وجوههما ، وخفض الجناح لهما ، وترك
التأفف والتضجر عندهما ، والسعي في خدمتهما ، وتحقيق رغباتهما ، ومشاورتهما ، والإصغاء إلى حديثهما ، وترك المعاندة لهما، وإكرام صديقهما في حياتهما وبعدموتهما .
ومن ذلك ألا تسافر إلا بإذنهما ، وألا تجلس في مكان أعلى منهما ، وألا تمد يدك إلى الطعام قبلهما ، وألا تفضل زوجتك أو ولدك عليهما .
ومن البر : زيارتهما ، وتقديم الهدايا لهما ، وشكرهما على تربيتك والإحسان إليك صغيرا وكبيرا.
ومن البر: أن تسعى في تقليل الخلاف الواقع بينهما ، وذلك بالنصح والتذكير قدر الاستطاعة ، والاعتذار للمظلوم منهما ، وتطييب خاطره
وترضيته بالقول والفعل .
ومهما كان أسلوب والدك معك ، فكن متخلقا بما سبق من الآداب ، مجانبا لكل ما يغضبه أو يحزنه ، ما لم يترتب على ذلك إثم أو معصية لله ، فحق
الله تعالى مقدم على حقوق العباد .
وسل الله تعالى أن يهديهما ، وأن يصلح حالهما ، فإنه سبحانه سميع قريب مجيب .
والله أعلم .
ما هي أهمية احترام الوالدين على ضوء الكتاب والسنة ؟
الجواب :
الحمد لله..
أهمية احترام الوالدين :
أولاً :
أنها طاعة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، قال الله تعالى : ( ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً ) ، وقال تعالى : ( وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل ربي ارحمهما كما ربياني صغيراً ) وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل افضل قال إيمان بالله ورسوله ثم بر الوالدين .. الحديث . وغيرها من الآيات والأحاديث المتواترة في ذلك .
ثانياً :
إن طاعة الوالدين واحترامهما سبب لدخول الجنة كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ رَغِمَ أَنْفُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ قِيلَ مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا فَلَمْ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ . صحيح مسلم 4627
ثالثاً :
أن احترامهما وطاعتهما سبب للألفة والمحبة .
رابعاً :
أن احترامهما وطاعتهما شكر لهما لأنهما سبب وجودك في هذه الدنيا وأيضاً شكر لها على تربيتك ورعايتك في صغرك ، قال الله تعالى : ( وأن اشكر لي ولوالديك .. ) .
خامساً :
أن بر الولد لوالديه سببُ لأن يبره أولاده ، قال الله تعالى : ( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ) . والله أعلم .
إخوتي في ركن الفتاوى أتمنى أن تردوا على اسئلتى هذه بأسرع وقت ممكن علماً بأنني في حيرة من أمري و الله , أنا مرأة متزوجة والداي مطلقان منذ كان عمري سنة عشت مع أمي و جدي و لم أعش أبداً مع أبي و لم يقدم لي أبي أي يد عون و حتى النفقة لم يصرفها علي يعني لم أر يوماً واحداً جميلاً معه تزوج بإمرة أخرى و أنجب أبناءً و عشت كالغريبة أزورهم مرة بعد مدة و لكن أمي كانت هي منقذي من هذه الحياة كانت كل شئ لي كانت و لازالت تقدم لي يد العون حتى و أنا متزوجة تقدم لي و لزوجي كل شئ الحب و الحنان و المال و السفر و الجاه و كل شئ ، فهي لا تبخل علي بشيء تعطيني كل شئ و لا تأخذ منى شئاً تعطيني الحب و لكنني بخيلة عليها بالحنان ولا أدرى لماذا أعاملها هكذا إنني قاسية جداً معها و الله هذا شئ خارج عن إرادتي ، و لا أدرى لماذا إنني لا أزورها إلا بعد أسبوع أو أسبوعين و لا اشكرها عندما تقدم لي شئاً و لا أساعدها لا أدرى لماذا أنا قاسية معها و مع كل هذا والدي لم يعاملني جيداً و لم يأتي لزيارتي و أنا في منزل أمي إلا نادراً و لم أتذكر يوماً دخل و معه نقود أو هدية عموماً لم يتتبع دراستي و لم يفعل لي أي شئ في حياتي سوى أن اسمه مقرون باسمي فقط …. و مع هذا تحملت حتى جاء موعد الفرح و لم يحضر عقد القِرَان و لم يأت أبداً و لم يشارك أبداً فأعلنت عليه المقاطعة و لم أزره أبداً لمدة 5 سنوات مع العلم إنني علمت انه تم بتر ساقيه الاثنتين و مع هذا لم أزره فسؤالي المحدد هو ماحكم الشرع في كل هذا أرجو التوضيح كذلك ما هو الحل المناسب لي هل الذهاب له والزيارة أم الامتناع عنه و نسيان انه لدي أب في هذه الدنيا ؟ مع العلم أن أمي أنذرتني وقالت : لو ذهبت لوالدك سوف أتركك أي أنها سوف تنساني و هذا تهديد صريح منها لي و أنا متأكدة أنها ستفعل لو علمت أنني أزوره أو حتى أكلمه فما الحل أرجوكم ما رأيكم بموقف أمي ؟ هل هي على صواب أم لا ؟ و ما هو الصواب في نظركم ؟ إنني و الله حائرة و تعبانة و أريد معرفة وجهة نظر الدين في مشكلتي و جازاكم الله ألف خير
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:
فيجب عليك أن تبرى أبويك وتعامليهما معاملة حسنة ، ويحرم عليك أن تقاطعيهما أو تسيئي إليهما ، ولو أساءا إليك وإن فرطا فيما أوجب الله عليهما من حق لك ، فلا تفرطي في حقوقهما عليك ، فإن الله تعالى أوصاك بهما آكد الوصية ، وأمرك بالإحسان إليهما على كل حالٍ ، ومعاملتها بالمعروف حتى ولو كانا غير مسلمين.
قال الله تعالى : ( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ). [ النساء: 36].
وقال تعالى : (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا). [الإسراء : 23-24].
وقال تعالى : ( وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ). [ لقمان : 14 - 15].
وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على برّ الوالدين وعلى برّ الأم خصوصاً في أحاديث كثيرة مشهورة منها ما في الصحيحين عن ابن مسعود أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أيّ العمل أحبُّ إلى الله تعالى قال: "الصلاة على وقتها " قلت: ثم أيّ ؟ قال: " برّ الوالدين " قلت: ثم أي ؟ قال: " الجهاد في سبيل الله".
وفيهما أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: " أمك" قال: ثم من؟ قال : " أمك" قال: ثم من؟ قال: " أبوك ".
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من عقوق الوالدين أشد تحذير حيث قال: " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثاً ، قلنا: بلى يا رسول الله ، قال: " الإشراك بالله، وعقوق الوالدين" وكان متكئاً فجلس فقال: "ألا وقول الزور وشهادة الزور" فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت . والحديث متفق عليه.
إذا علمت هذا فعليك أن تصبري وتحتسبي الأجر عند الله تعالى في معالجة مشكلتك هذه وفق شرع الله تعالى.
وعليك أن تبري أمك غاية البر وتحسني إليها غاية الإحسان وتطيعيها فيما ليست فيه معصية لله تعالى كمقاطعة أبيك، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، وحاولي أن تقنعيها أن لأبيك عليك حقاً يجب عليك القيام به ، وأنه يحرم عليك قطع رحمه ولو قطعك ، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت : هذا مقام العائذ بك من القطيعة ، قال: نعم ، أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى ، قال: فذلك " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إقرؤا إن شئتم: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ). [ محمد 22-23].
وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ليس الواصل بالمكافئ ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها" . أخرجه البخاري.
وعليك أن تصلي أباك بالقول والفعل امتثالاً لأمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم ، وقدمي له بعض الهدايا المناسبة ولو قلت.
واسأل الله تعالى أن يشرح صدوركم جميعاً للحق وأن يؤلف بين قلوبكم .
والله أعلم .
1- ما هو حق الأم علي ؟
2- ما هو حقي على أمي ؟
3- ما هي الأشياء التي يمكن أن أعملها (المباحة طبعاً) دون أن يكون لأمي الحق من منعي ؟
4- متى يكون للأب القرار الأخير في الموضوع ؟
أنا أحب أمي جدا جدا وهي تريد حمايتي حتى أنني أشعر بعض الأحيان بأنني مقيد ، أعلم بأنها تفعل هذا من فرط حبها لي فكيف أخبرها بأنني أريد بعض الحرية في اختياراتي في الحياة ؟.
الحمد لله..
أولاً : حق الأم على ولدها : للأم على ولدها حقوق كثيرة وكبيرة لا يحصيها المحصي ولكن نذكر منها :
أ - حبها وتوقيرها في النفس والقلب ما استطاع لأنها أحق الناس بحسن صحبته .
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال : أمك ، قال ثم من ؟ قال : أمك ، قال : ثم من ؟ قال : أمك ، قال : ثم من ؟ قال : ثم أبوك " . رواه البخاري ( 5626 ) ومسلم ( 2548 ) .
فهي التي جعلت بطنها لك وعاءاً وثديها لك سقاءاً ، فحبها لازم ولا بد ، والفطرة تدعو إليه ، بل إن حب الأولاد لأمهاتهم وحب الأمهات لأولادها فطر الله عليه البهائم والدواب ، فبنو البشر أولى بذلك والمسلمون أولى بذلك كله .
ب - الرعاية والقيام على شؤونها إن احتاجت إلى ذلك بل إن هذا ديْن في عنق ولدها . أليست قد رعته طفلاً صغيراً وسهرت عليه وكانت تصبر على أذاه .
قال تعالى { ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً } ( الأحقاف / 15 ) . بل إن ذلك قد يقدّم على الجهاد إن تعارض معه .
عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في الجهاد فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أحيٌّ والداك ؟ قال : نعم، قال : ففيهما فجاهد . رواه البخاري ( 2842 ) ومسلم ( 2549 ) .
ت -عدم الأذية وإسماعها ما تكره من القول أو الفعل .
قال تعالى : { فلا تقل لهما أفٍ } ( الإسراء / 23 ) .
فإذا كان الله تعالى حرَّم قول " أف " للوالدين : فكيف بمن يضربهما ؟!! .
ث - النفقة عليها إن أعوزت ولم يكن لها زوج ينفق عليها أو كان زوجها معسراً بل إن النفقة عليها وإطعامها عند الصالحين أحب إليهم من أن يطعموا أبناءهم .
عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " خرج ثلاثة يمشون فأصابهم المطر فدخلوا في غار في جبل فانحطت عليهم صخرة قال فقال بعضهم لبعض ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه فقال أحدهم اللهم إني كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت أخرج فأرعى ثم أجيء فأحلب فأجيء بالحلاب فآتي به أبوي فيشربان ثم أسقي الصبية وأهلي وامرأتي فاحتبست ليلة فجئت فإذا هما نائمان قال فكرهت أن أوقظهما والصبية يتضاغون عند رجلي فلم يزل ذلك دأبي ودأبهما حتى طلع الفجر اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا فرجة نرى منها السماء قال ففرج عنهم …. " . رواه البخاري ( 2102 ) ومسلم ( 2743 ).
يتضاغون : يبكون بصوت عالِ .
ج - الطاعة والائتمار بأمرها إن أمرت بمعروف ، أما إن أمرت بشرٍّ كالشرك : فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .
قال تعالى :{ وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً } ( لقمان / 15 ) .
ح - أما بعد موتها فيسن قضاء ما عليها من كفارات والتصدق عنها والحج أو الاعتمار عنها.
عن ابن عباس رضي الله عنهما :" أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها ؟ قال : نعم حجي عنها ، أرأيتِ لو كان على أمك ديْن أكنتِ قاضيته ، اقضوا الله فالله أحق بالوفاء". رواه البخاري ( 1754 ) .
خ - وكذلك بعد موتها يسنّ برها بصلة من كانت تصله وتحترمه كأقاربها وأصدقائها .
عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ ". رواه مسلم ( 2552 ) .
ثانياً : حقوقك على أمك :
أ - القيام على شأنك وأنت طفل وإرضاعك وحضانتك وهذا معلوم من فطرة الناس وهو متواتر عنهم من بدء الخليقة .
قال تعالى { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ….. } (البقرة / 233 ) .
ب - أن تربيك تربيةً صالحةً وهي مسؤولة عنك يوم القيامة أمام الله لأنك من رعيتها وهي راعيتك .
عن عبد الله بن عمر يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته الإمام راع ومسؤول عن رعيته والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته قال وحسبت أن قد قال والرجل راع في مال أبيه ومسؤول عن رعيته وكلكم راع ومسؤول عن رعيته". رواه البخاري ( 853 ) ومسلم ( 1829 ) .
ثالثاً : أما ما يحل لك أن تصنعه دون أن تتدخل أمك في شؤونك من المباحات :
فليس لها الحق في اختيار ما تحب من المباحات التي لا سلطة لها عليك بها كالطعام والشراب والملبس والمركب ونحو ذلك .
وكذلك باختيارك الزوجة التي تريد ـ إن كانت صالحة ـ ما دام أنك لم تعصِ الله في ذلك كله ، ومع ذلك فيُشرع لك أن ترضيها حتى في اختيار الزوجة إذا أشارت عليك بأمر ليس فيه ضرر عليك .
وأما التدخل في شؤونك من جهة خروجك ودخولك المنزل أو السهر في الليل مع الرفقة الذين تصحبهم : فيجب على الوالدين كليهما أن يراقبا أولادهما في ذلك ليضبطوا الأمر ولا يضيع الأولاد مع رفقة السوء ، فإن أكثر ما سبّب للشباب الفساد رفقة السوء ، وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل " . رواه الترمذي ( 2387 ) وأبو داود ( 4833 ) .
والحديث حسَّنه الترمذي وصححه النووي كما في " تحفة الأحوذي " ( 7 / 42 ) .
وكذلك يراقبان ولدهما في وقت رجوعه إلى البيت وإلى أين يخرج لأنه لا يجوز لهما أن يتركا الحبل على غاربه للولد خصوصا إذا لم يكن صاحب استقامة . وينبغي عليك أن تراعي منزلتهما وتوقيرهما وأخذهما بالصحبة الحسنة حتى وإن ضيقا عليك فيما أباح الله لك ، فإنه أمرنا أن نصحب آباءنا بالصحبة الحسنة حتى ولو كانوا كفاراً يدعوننا إلى الشرك فكيف وهما لا يدعوننا إلا إلى شيء يظنان كل الظن أن الخير لنا فيه وإن كان في بعض ما يأمران به تضييق عليك في بعض ما يباح لك . فالأحسن أن تطيعهما وأن تصنع ما يريدان وتنزل عند رغبتها وإن كان لا يجب عليك ولكن من باب التضحية والإيثار ف