|
" يجوز الجذع من الضأن أضحية " .
قال الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة ( 1 /
157 ) :
$ ضعيف .
أخرجه ابن ماجه ( 2 / 275 ) و البيهقي و أحمد (
6 / 338 ) من طريق محمد بن
أبي يحيى مولى الأسلميين عن أمه عن # أم بلال
بنت هلال عن أبيها #مرفوعا ,
و هذا سند ضعيف من أجل أم محمد بن أبي يحيى
فإنها مجهولة كما قال ابن حزم
( 7 / 365 ) و قال : و أم بلال مجهولة , و لا
ندري لها صحبة أم لا , قال السندي
قال الدميري : أصاب ابن حزم في الأول , و أخطأ
في الثاني , فقد ذكر
أم بلال في الصحابة ابن منده و أبو نعيم و ابن
عبد البر , ثم قال الذهبي في
" الميزان " : إنها لا تعرف و وثقها العجلي .
قلت : الحق ما قاله ابن حزم فيها , فإنها لا
تعرف إلا في هذا الحديث , و مع أنه
ليس فيه التصريح بصحبتها ففي الإسناد إليها
جهالة كما علمت فأنى ثبوت الصحبة
لها ? ! ثم من الغرائب أن يسكت الزيلعي في "
نصب الراية " ( 4 / 217 - 218 )
على هذا الحديث مع ثبوت ضعفه ! و في الباب
أحاديث أخرى أوردها ابن حزم في
" المحلى " ( 7 / 364 - 365 ) و ضعفها كلها , و
قد أصاب إلا في تضعيفه لحديث
عقبة بن عامر قال : ضحينا مع رسول الله صلى
الله عليه وسلم بجذع من الضأن .
أخرجه النسائي ( 2 / 204 ) و البيهقي ( 9 / 270
) من طريق بكير بن الأشج عن
معاذ بن عبد الله بن خبيب عنه , و هذا إسناد
جيد رجاله ثقات , و إعلال بن حزم
له بقوله : ابن خبيب هذا مجهول , غير مقبول ,
فإن معاذا هذا وثقه ابن معين
و أبو داود و ابن حبان و قال الدارقطني : ليس
بذاك و لهذا قال الحافظ في
" الفتح " بعد أن عزاه للنسائي : سنده قوي ,
لكن رواه أحمد ( 4 / 152 ) من طريق
أسامة بن زيد عن معاذ به بلفظ : سألت رسول الله
صلى الله عليه وسلم عن الجذع ?
فقال : " ضح به , لا بأس به " , و إسناده حسن و
هو يخالف الأول في أنه مطلق ,
و ذاك خاص في الضأن , و على الأول فيمكن أن
يراد به الجذع من المعز و تكون
خصوصية لعقبة , لحديثه الآخر قال : قسم النبي
صلى الله عليه وسلم بين أصحابه
ضحايا فصارت لعقبة جذعة فقلت : يا رسول الله
صارت لي جذعة , و في رواية عتود
و هو الجذع من المعز قال : " ضح بها " , أخرجه
البخاري ( 10 / 3 - 4 و 9 - 10 )
و البيهقي ( 9 / 270 ) و زاد : " و لا أرخصه
لأحد فيها بعد " , و يمكن أن يحمل
المطلق على الضأن أيضا بدليل حديث أسامة و عليه
يحتمل أن يكون ذلك خصوصية له
أيضا , أو كان ذلك لعذر مثل تعذر المسنة من
الغنم و غلاء سعرها و هذا هو الأقرب
لحديث عاصم بن كليب عن أبيه قال : كنا نؤمر
علينا في المغازي أصحاب محمد
صلى الله عليه وسلم , و كنا بفارس , فغلت علينا
يوم النحر المسان , فكنا نأخذ
المسنة بالجذعين و الثلاثة , فقام فينا رجل من
مزينة فقال : كنا مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم فأصبنا مثل هذا اليوم فكنا
نأخذ المسنة بالجذعين و الثلاثة
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن
الجذع يوفي مما يوفي الثني " , أخرجه
النسائي و الحاكم ( 4 / 226 ) و أحمد ( 268 ) و
قال الحاكم : حديث صحيح , و هو
كما قال , و قال ابن حزم ( 7 / 267 ) : إنه في
غاية الصحة , و رواه أبو داود
( 2 / 3 ) و ابن ماجه ( 2 / 275 ) و البيهقي (
9 / 270 ) مختصرا , و في روايتهم
تسمية الصحابي بمجاشع بن مسعود السلمي و هو
رواية للحاكم , فهذا الحديث يدل
بظاهره على أن الجذعة من الضأن إنما تجوز عند
غلاء سعر المسان و تعسرها ,
و يؤيده حديث أبي الزبير عن جابر مرفوعا : " لا
تذبحوا إلا مسنة , إلا أن يعسر
عليكم , فتذبحوا جذعة من الضأن " , أخرجه مسلم
( 6 / 72 ) و أبو داود ( 2 / 3 )
( 3 / 312 , 327 ) و قال الحافظ في " الفتح " :
إنه حديث صحيح .
و خلاصة القول أن حديث الباب لا يصح , و كذا ما
في معناه , و حديث جابر و عاصم
ابن كليب على خلافها , فالواجب العمل بهما , و
تأويلهما من أجل أحاديث الباب لا
يسوغ لصحتهما و ضعف معارضهما , والله أعلم .
( فائدة ) : المسنة هي الثنية من كل شيء من
الإبل و البقر و الغنم , و هي من
الغنم و البقر ما دخل في السنة الثالثة , و من
الإبل ما دخل في السادسة و الجذع
من الضأن ما له سنة تامة على الأشهر عند أهل
اللغة و جمهور أهل العلم كما قال
الشوكاني و غيره .
استدراك : ذلك ما كنت كتبته سابقا منذ نحو خمس
سنوات , و كان محور اعتمادي في
ذلك على حديث جابر المذكور من رواية مسلم عن
أبي الزبير عنه مرفوعا : " لا
تذبحوا إلا مسنة ... " , و تصحيح الحافظ ابن
حجر إياه , ثم بدا لي أني كنت
واهما في ذلك , تبعا للحافظ , و أن هذا الحديث
الذي صححه هو و أخرجه مسلم كان
الأحرى به أن يحشر في زمرة الأحاديث الضعيفة ,
لا أن تتأول به الأحاديث الصحيحة
ذلك لأن أبا الزبير هذا مدلس , و قد عنعنه , و
من المقرر في " علم المصطلح " أن
المدلس لا يحتج بحديثه إذا لم يصرح بالتحديث ,
و هذا هو الذي صنعه أبو الزبير
هنا , فعنعن , و لم يصرح , و لذلك انتقد
المحققون من أهل العلم أحاديث يرويها
أبو الزبير بهذا الإسناد أخرجها مسلم , اللهم
إلا ما كان من رواية الليث بن سعد
عنه , فإنه لم يرو عنه إلا ما صرح فيه بالتحديث
, فقال الحافظ الذهبي في ترجمة
أبي الزبير - و اسمه محمد بن مسلم بن تدرس بعد
أن ذكر فيه طعن بعض الأئمة بما
لا يقدح في عدالته : و أما أبو محمد بن حزم ,
فإنه يرد من حديثه ما يقول فيه عن
جابر و نحوه لأنه عندهم ممن يدلس , فإذا قال :
سمعت , و أخبرنا احتج به ,
و يحتج به ابن حزم إذا قال : عن مما رواه عنه
الليث بن سعد خاصة , و ذلك لأن
سعيد بن أبي مريم قال : حدثنا الليث قال : جئت
أبا الزبير , فدفع إلى كتابين ,
فانقلبت بهما , ثم قلت في نفسي : لو أننى
عاودته فسألته أسمع هذا من جابر ?
فسألته , فقال : منه ما سمعت , و منه ما حدثت
به , فقلت : أعلم لي على ما سمعت
منه , فأعلم لي على هذا الذي عندي , ثم قال
الذهبي : و في " صحيح مسلم " عدة
أحاديث مما لم يوضح فيها أبو الزبير السماع من
جابر , و لا هي من طريق الليث
عنه , ففي القلب منها شيء , و قال الحافظ في
ترجمته من " التقريب " : صدوق إلا
أنه يدلس , و أورده في المرتبة الثالثة من
كتابه " طبقات المدلسين ( ص 15 )
و قال : مشهور بالتدليس , و وهم الحاكم في "
كتاب علوم الحديث " فقال في سنده :
و فيه رجال غير معروفين بالتدليس ! و قد وصفه
النسائي و غيره بالتدليس , و قال
في مقدمة الكتاب في صدد شرح مراتبه : الثالثة
من أكثر من التدليس , فلم يحتج
الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع
, و منهم من رد حديثهم مطلقا ,
و منهم من قبلهم , كأبي الزبير المكي .
قلت : و الصواب من ذلك المذهب الأول و هو قبول
ما صرحوا فيه بالسماع و عليه
الجمهور خلافا لابن حزم فإنه يرد حديثهم مطلقا
و لو صرحوا بالتحديث كما نص عليه
في أول كتابه " الإحكام في أصول الأحكام " على
ما أذكر , فإن يدي لا تطوله الآن
و أرى أنه قد تناقض في أبي الزبير منهم خاصة ,
فقد علمت مما نقلته لك عن الذهبي
آنفا أن ابن حزم يحتج به إذا قال : سمعت , و
هذا ما صرح به في هذا الحديث ذاته
فقال في " المحلى " في صدد الرد على المخالفين
له ( 7 / 363 - 364 ) : هذا حجة
على الحاضرين من المخالفين , لأنهم يجيزون
الجذع من الضأن , مع وجود المسنات ,
فقد خالفوه , و هم يصححونه , و أما نحن فلا
نصححه , لأن أبا الزبير مدلس ما لم
يقل في الخبر أنه سمعه من جابر , هو أقر بذلك
على نفسه , روينا ذلك عنه من طريق
الليث بن سعد .
انظر " الإحكام "( 1 / 139 ـ 140 ) , و مقدمتي
لـ" مختصر مسلم " ( المكتبة
الإسلامية ) .
و جملة القول : أن كل حديث يرويه أبو الزبير عن
جابر أو غيره بصيغة عن و نحوها
و ليس من رواية الليث بن سعد عنه , فينبغي
التوقف عن الاحتجاج به , حتى يتبين
سماعه , أو ما يشهد له , و يعتضد به .
هذه حقيقة يجب أن يعرفها كل محب للحق , فطالما
غفل عنها عامة الناس , و قد كنت
واحدا منهم , حتى تفضل الله علي فعرفني بها ,
فله الحمد و الشكر , و كان من
الواجب علي أن أنبه على ذلك , فقد فعلت , و
الله الموفق لا رب سواه .
و إذا تبين هذا , فقد كنت ذكرت قبل حديث جابر
هذا حديثين ثابتين في التضحية
بالجذع من الضأن , أحدهما حديث عقبة بن عامر ,
و الآخر حديث مجاشع بن مسعود
السلمي و فيه : " أن الجذع يوفي مما يوفي الثني
" , و كنت تأولتهما بما يخالف
ظاهرهما توفيقا بينهما و بين حديث جابر , فإذ
قد تبين ضعفه , و أنه غير صالح
للاحتجاج به , و لتأويل ما صح من أجله , فقد
رجعت عن ذلك , إلى دلالة الحديثين
الظاهرة في جواز التضحية بالجذع من الضأن خاصة
, و حديث مجاشع و إن كان بعمومه
يشمل الجذع من المعز , فقد جاء ما يدل على أنه
غير مراد و هو حديث البراء قال :
ضحى خالي أبو بردة قبل الصلاة , فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : " تلك شاة
لحم " , فقال : يا رسول الله إن عندي جذعة من
المعز , فقال : " ضح بها , و لا
تصلح لغيرك " و في رواية : " اذبحها , و لن
تجزئ عن أحد بعدك " و في أخرى :
" و لا تجزيء جذعة عن أحد بعدك " , أخرجه مسلم
( 6 / 74 - 76 ) و البخاري نحوه
و يبدو جليا من مجموع الروايات أن المراد
بالجذعة في اللفظ الأخير الجذعة من
المعز , فهو في ذلك كحديث عقبة المتقدم من
رواية البخاري , و أما فهم ابن حزم
من هذا اللفظ جذعة العموم فيشمل عنده الجذعة من
الضأن فمن ظاهريته و جموده على
اللفظ دون النظر إلى ما تدل عليه الروايات
بمجموعها , و السياق و السباق ,
و هما من المقيدات , كما نص على ذلك ابن دقيق
العيد و غيره من المحققين .
ذلك هو الجواب الصحيح عن حديث جابر رضي الله
عنه , و أما قول الحافظ في
" التلخيص " ( ص 385 ) .
تنبيه : ظاهر الحديث يقتضي أن الجذع من الضأن
لا يجزئ إلا إذا عجز عن المسنة ,
و الإجماع على خلافه , فيجب تأويله , بأن يحمل
على الأفضل و تقديره : المستحب
أن لا تذبحوا إلا مسنة .
قلت : هذا الحمل بعيد جدا , و لو سلم فهو تأويل
, و التأويل فرع التصحيح ,
و الحديث ليس بصحيح كما عرفت فلا مسوغ لتأويله
.
و قد تأوله بعض الحنابلة بتأويل آخر لعله أقرب
من تأويل الحافظ , ففسر المسنة
بما إذا كانت من المعز ! و يرد هذا ما في رواية
لأبي يعلى في " مسنده "
( ق 125 / 2 ) بلفظ : " إذا عز عليك المسان من
الضأن , أجزأ الجذع من الضأن "
و هو و إن كان ضعيف السند كما بينته في " إرواء
الغليل في تخريج أحاديث منار
السبيل " ( رقم 1131 ) , فمعناه هو الذي يتبادر
من اللفظ الأول .
و لعل الذي حمل الحافظ و غيره على ارتكاب مثل
هذا التأويل البعيد هو الاعتقاد
بأن الإجماع على خلاف ظاهر الحديث , و قد قاله
الحافظ كما رأيت .
فينبغي أن يعلم أن بعض العلماء كثيرا ما
يتساهلون في دعوى الإجماع في أمور
الخلاف فيها معروف , و عذرهم في ذلك أنهم لم
يعلموا بالخلاف , فينبغي التثبت في
هذه الدعوى في مثل هذه المسألة التي لا يستطيع
العالم أن يقطع بنفي الخلاف فيها
كما أرشدنا الإمام أحمد رحمه الله بقوله : من
ادعى الإجماع فهو كاذب , و ما
يدريه لعلهم اختلفوا , أو كما قال رواه ابنه
عبد الله بن أحمد في " مسائله " .
فمما يبطل الإجماع المزعوم في هذه المسألة ما
روى مالك في " الموطأ " ( 2 /
482 / 2 ) عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يتقي
من الضحايا و البدن التي لم تسن
و رواه عبد الرزاق عن مالك عن نافع بن ابن عمر
قال : " لا تجزيء إلا الثنية
فصاعدا " , ذكره ابن حزم ( 7 / 361 ) و ذكر
بمعناه آثارا أخرى فليراجعها من شاء
الزيادة .
و ختاما أقول : نستطيع أن نستخلص مما سبق من
التحقيق : أن حديث هلال هذا :
" نعمت الأضحية الجذع من الضأن " و كذا الذي
قبله , و إن كان ضعيف المبنى , فهو
صحيح المعنى , يشهد له حديث عقبة و مجاشع , و
لو أني استقبلت من أمري ما
استدبرت , لما أوردتهما في هذه " السلسلة " و
لأوردت بديلهما حديث جابر هذا ,
و لكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا , و لله في
خلقه شؤون . |