سلسلة الأحاديث الضعيفة

للشيخ الإمام المحدث محمد ناصر الدين الألباني

رحمه الله تعالى

[المجلد الأول]

الجزء الثالث 

63

" إن البرد ليس بطعام و لا بشراب " .

 قال الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة ( 1 / 153 ) :

 

$ منكر .

أخرجه الطحاوي في " مشكل الآثار " ( 2 / 347 ) و أبو يعلى في " مسنده "

( ق 191 / 2 ) و السلفي في " الطيوريات " ( 7 / 1 - 2 ) و ابن عساكر

( 6 / 313 / 2 ) من طريق علي بن زيد بن جدعان عن # أنس # قال : مطرت السماء 

بردا فقال لنا أبو طلحة : ناولوني من هذا البرد , فجعل يأكل و هو صائم و ذلك في 

رمضان ! فقلت : أتأكل البرد و أنت صائم ? فقال : إنما هو برد نزل من السماء 

نطهر به بطوننا و إنه ليس بطعام و لا بشراب ! فأتيت رسول الله صلى الله عليه 

وسلم فأخبرته بذلك فقال : " خذها عن عمك " .

قلت : و هذا سند ضعيف , و علي بن زيد بن جدعان ضعيف كما قال الحافظ في

" التقريب " , و قال شعبة بن الحجاج : حدثنا علي بن زيد و كان رفاعا يعني أنه 

كان يخطيء فيرفع الحديث الموقوف و هذا هو علة هذا الحديث , فإن الثقات رووه عن 

أنس موقوفا على أبي طلحة خلافا لعلى بن زيد الذي رفعه إلى النبي صلى الله عليه 

وسلم فأخطأ , فرفعه منكر , فقد أخرجه أحمد ( 3 / 279 ) و ابن عساكر ( 6 / 313 / 

2 ) من طريق شعبة عن قتادة و حميد عن أنس قال : مطرنا بردا و أبو طلحة صائم 

فجعل يأكل منه , قيل له : أتأكل و أنت صائم ? ! فقال : إنما هذا بركة ! و سنده 

صحيح على شرط الشيخين , و صححه ابن حزم في " الإحكام " ( 6 / 83 ) و أخرجه 

الطحاوي من طريق خالد بن قيس عن قتادة , و من طريق حماد بن سلمة عن ثابت , 

كلاهما عن أنس به نحوه , و رواه البزار موقوفا و زاد : فذكرت ذلك لسعيد بن 

المسيب فكرهه , و قال : إنه يقطع الظمأ , قال البزار : لا نعلم هذا الفعل إلا 

عن أبي طلحة , فثبت أن الحديث موقوف ليس فيه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ,

و إنما أخطأ في رفعه ابن جدعان كما جزم بذلك الطحاوي .

و الحديث أورده الهيثمي في " المجمع " ( 3 / 171 - 172 ) مرفوعا ثم قال :

رواه أبو يعلى و فيه علي بن زيد و فيه كلام , و قد وثق , و بقية رجاله رجال 

الصحيح , و أورده السيوطي في " ذيل الأحاديث الموضوعة " ( ص 116 ) من رواية 

الديلمي بإسناد يقول فيه كل من رواته : أصم الله هاتين إن لم أكن سمعته من فلان 

و لكن ابن عراق في " تنزيه الشريعة " ( 1 / 159 ) رد عليه حكمه عليه بالوضع

و نقل عن الحافظ ابن حجر أنه قال في " المطالب العالية " : إسناده ضعيف , ثم 

ختم ابن عراق كلامه بقوله : و لعل السيوطي إنما عنى أنه موضوع بهذه الزيادة من 

التسلسل لا مطلقا , والله اعلم .

قلت : و هذا الحديث الموقوف من الأدلة على بطلان الحديث المتقدم : " أصحابي 

كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " , إذ لو صح هذا لكان الذي يأكل البرد في رمضان 

لا يفطر اقتداء بأبي طلحة رضي الله عنه , و هذا مما لا يقوله مسلم اليوم فيما 

أعتقد .

64

" نعم أو نعمت الأضحية الجذع من الضأن " .

 

قال الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة ( 1 / 155 ) :

 

$ ضعيف .

أخرجه الترمذي ( 2 / 355 ) و البيهقي ( 9 / 271 ) و أحمد ( 2 / 444 - 445 ) من 

طريق عثمان بن واقد عن كدام بن عبد الرحمن عن أبي كباش قال : جلبت غنما جذعانا 

إلى المدينة فكسدت علي , فلقيت # أبا هريرة # فسألته ? فقال : سمعت رسول الله

صلى الله عليه وسلم يقول : فذكر الحديث , قال : فانتهبه الناس , و قال

الترمذي : حديث غريب يعني ضعيف , و لذا قال الحافظ في " الفتح " ( 10 / 12 ) :

و في سنده ضعف , و بين علته ابن حزم فقال في " المحلى " ( 7 / 365 ) : عثمان بن 

واقد مجهول , و كدام بن عبد الرحمن لا ندري من هو , عن أبي كباش الذي جلب 

الكباش الجذعة إلى المدينة فبارت عليه , هكذا نص حديثه , و هنا جاء ما جاء

أبو كباش , و ما أدراك ما أبو كباش , ما شاء الله كان ! كأنه يتهم أبا كباش 

بهذا الحديث , و هو مجهول مثل الراوي عنه كدام , و قد صرح بذلك الحافظ في

" التقريب " , و أما عثمان بن واقد فليس بمجهول فقد وثقه ابن معين و غيره ,

و قال أبو داود : ضعيف , و للحديث علة أخرى و هي الوقف فقال البيهقي عقبه :

و بلغني عن أبي عيسى الترمذي قال : قال البخاري : رواه غير عثمان بن واقد عن 

أبي هريرة موقوفا , و له طريق آخر بلفظ : جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه 

وسلم يوم الأضحى فقال : كيف رأيت نسكنا هذا ? قال : لقد باهى به أهل السماء ,

و اعلم يا محمد أن الجذع من الضأن خير من الثنية من الإبل و البقر و لو

علم الله ذبحا أفضل منه لفدى به إبراهيم عليه السلام , و فيه إسحاق بن إبراهيم 

الحنيني , قال البيهقي : تفرد به و في حديثه ضعف .

قلت : و هو متفق على ضعفه , و قد أورده العقيلي في " الضعفاء " و ساق له حديثا 

و قال : لا أصل له , ثم ساق له هذا الحديث , ثم قال : يروي عن زياد بن ميمون

و كان يكذب عن أنس , و من أوهى التعقب ما تعقب به ابن التركماني قول البيهقي 

المتقدم فقال : قلت : ذكر الحاكم في المستدرك هذا الحديث من طريق إسحاق المذكور 

ثم قال : صحيح الإسناد !

قلت : و كل خبير بهذا العلم الشريف يعلم أن الحاكم متساهل في التوثيق و التصحيح

و لذلك لا يلتفت إليه , و لا سيما إذا خالف , و لهذا لم يقره الذهبي في 

" تلخيصه " على تصحيحه بل قال ( 4 / 223 ) : قلت : إسحاق هالك , و هشام ليس 

بمعتمد , قال ابن عدي : مع ضعفه يكتبه حديثه .

و ليس يخفى هذا على مثل ابن التركماني لولا الهوي ! فإن هذا الحديث يدل على 

جواز الجذع في الأضحية و هو مذهب الحنفية و ابن التركماني منهم و لما كانت 

الأحاديث الواردة في ذلك ضعيفة لا يحتج بها أراد أن يقوي بعضها بالاعتماد على

تصحيح الحاكم ! و لو أن تصحيحه كان على خلاف ما يشتهيه مذهبه لبادر إلى رده 

متذرعا بما ذكرناه من التساهل ! و هذا عيب كبير من مثل هذا العالم النحرير ,

و عندنا على ما نقول أمثلة أخرى كثيرة لا فائدة كبيرة من ذكرها .

و من الأحاديث المشار إليها :

65

" يجوز الجذع من الضأن أضحية " .

 

قال الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة ( 1 / 157 ) :

 

$ ضعيف .

أخرجه ابن ماجه ( 2 / 275 ) و البيهقي و أحمد ( 6 / 338 ) من طريق محمد بن

أبي يحيى مولى الأسلميين عن أمه عن # أم بلال بنت هلال عن أبيها #‏مرفوعا ,

و هذا سند ضعيف من أجل أم محمد بن أبي يحيى فإنها مجهولة كما قال ابن حزم

( 7 / 365 ) و قال : و أم بلال مجهولة , و لا ندري لها صحبة أم لا , قال السندي 

قال الدميري : أصاب ابن حزم في الأول , و أخطأ في الثاني , فقد ذكر

أم بلال في الصحابة ابن منده و أبو نعيم و ابن عبد البر , ثم قال الذهبي في

" الميزان " : إنها لا تعرف و وثقها العجلي .

قلت : الحق ما قاله ابن حزم فيها , فإنها لا تعرف إلا في هذا الحديث , و مع أنه 

ليس فيه التصريح بصحبتها ففي الإسناد إليها جهالة كما علمت فأنى ثبوت الصحبة

لها ? ! ثم من الغرائب أن يسكت الزيلعي في " نصب الراية " ( 4 / 217 - 218 )

على هذا الحديث مع ثبوت ضعفه ! و في الباب أحاديث أخرى أوردها ابن حزم في

" المحلى " ( 7 / 364 - 365 ) و ضعفها كلها , و قد أصاب إلا في تضعيفه لحديث

عقبة بن عامر قال : ضحينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بجذع من الضأن . 

أخرجه النسائي ( 2 / 204 ) و البيهقي ( 9 / 270 ) من طريق بكير بن الأشج عن

معاذ بن عبد الله بن خبيب عنه , و هذا إسناد جيد رجاله ثقات , و إعلال بن حزم 

له بقوله : ابن خبيب هذا مجهول , غير مقبول , فإن معاذا هذا وثقه ابن معين

و أبو داود و ابن حبان و قال الدارقطني : ليس بذاك و لهذا قال الحافظ في

" الفتح " بعد أن عزاه للنسائي : سنده قوي , لكن رواه أحمد ( 4 / 152 ) من طريق 

أسامة بن زيد عن معاذ به بلفظ : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجذع ? 

فقال : " ضح به , لا بأس به " , و إسناده حسن و هو يخالف الأول في أنه مطلق ,

و ذاك خاص في الضأن , و على الأول فيمكن أن يراد به الجذع من المعز و تكون 

خصوصية لعقبة , لحديثه الآخر قال : قسم النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه 

ضحايا فصارت لعقبة جذعة فقلت : يا رسول الله صارت لي جذعة , و في رواية عتود

و هو الجذع من المعز قال : " ضح بها " , أخرجه البخاري ( 10 / 3 - 4 و 9 - 10 ) 

و البيهقي ( 9 / 270 ) و زاد : " و لا أرخصه لأحد فيها بعد " , و يمكن أن يحمل 

المطلق على الضأن أيضا بدليل حديث أسامة و عليه يحتمل أن يكون ذلك خصوصية له

أيضا , أو كان ذلك لعذر مثل تعذر المسنة من الغنم و غلاء سعرها و هذا هو الأقرب 

لحديث عاصم بن كليب عن أبيه قال : كنا نؤمر علينا في المغازي أصحاب محمد

صلى الله عليه وسلم , و كنا بفارس , فغلت علينا يوم النحر المسان , فكنا نأخذ

المسنة بالجذعين و الثلاثة , فقام فينا رجل من مزينة فقال : كنا مع رسول الله 

صلى الله عليه وسلم فأصبنا مثل هذا اليوم فكنا نأخذ المسنة بالجذعين و الثلاثة 

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الجذع يوفي مما يوفي الثني " , أخرجه 

النسائي و الحاكم ( 4 / 226 ) و أحمد ( 268 ) و قال الحاكم : حديث صحيح , و هو 

كما قال , و قال ابن حزم ( 7 / 267 ) : إنه في غاية الصحة , و رواه أبو داود

( 2 / 3 ) و ابن ماجه ( 2 / 275 ) و البيهقي ( 9 / 270 ) مختصرا , و في روايتهم 

تسمية الصحابي بمجاشع بن مسعود السلمي و هو رواية للحاكم , فهذا الحديث يدل 

بظاهره على أن الجذعة من الضأن إنما تجوز عند غلاء سعر المسان و تعسرها ,

و يؤيده حديث أبي الزبير عن جابر مرفوعا : " لا تذبحوا إلا مسنة , إلا أن يعسر

عليكم , فتذبحوا جذعة من الضأن " , أخرجه مسلم ( 6 / 72 ) و أبو داود ( 2 / 3 ) 

( 3 / 312 , 327 ) و قال الحافظ في " الفتح " : إنه حديث صحيح .

و خلاصة القول أن حديث الباب لا يصح , و كذا ما في معناه , و حديث جابر و عاصم 

ابن كليب على خلافها , فالواجب العمل بهما , و تأويلهما من أجل أحاديث الباب لا 

يسوغ لصحتهما و ضعف معارضهما , والله أعلم .

( فائدة ) : المسنة هي الثنية من كل شيء من الإبل و البقر و الغنم , و هي من 

الغنم و البقر ما دخل في السنة الثالثة , و من الإبل ما دخل في السادسة و الجذع

من الضأن ما له سنة تامة على الأشهر عند أهل اللغة و جمهور أهل العلم كما قال 

الشوكاني و غيره .

استدراك : ذلك ما كنت كتبته سابقا منذ نحو خمس سنوات , و كان محور اعتمادي في

ذلك على حديث جابر المذكور من رواية مسلم عن أبي الزبير عنه مرفوعا : " لا 

تذبحوا إلا مسنة ... " , و تصحيح الحافظ ابن حجر إياه , ثم بدا لي أني كنت 

واهما في ذلك , تبعا للحافظ , و أن هذا الحديث الذي صححه هو و أخرجه مسلم كان 

الأحرى به أن يحشر في زمرة الأحاديث الضعيفة , لا أن تتأول به الأحاديث الصحيحة 

ذلك لأن أبا الزبير هذا مدلس , و قد عنعنه , و من المقرر في " علم المصطلح " أن 

المدلس لا يحتج بحديثه إذا لم يصرح بالتحديث , و هذا هو الذي صنعه أبو الزبير 

هنا , فعنعن , و لم يصرح , و لذلك انتقد المحققون من أهل العلم أحاديث يرويها 

أبو الزبير بهذا الإسناد أخرجها مسلم , اللهم إلا ما كان من رواية الليث بن سعد 

عنه , فإنه لم يرو عنه إلا ما صرح فيه بالتحديث , فقال الحافظ الذهبي في ترجمة 

أبي الزبير - و اسمه محمد بن مسلم بن تدرس بعد أن ذكر فيه طعن بعض الأئمة بما 

لا يقدح في عدالته : و أما أبو محمد بن حزم , فإنه يرد من حديثه ما يقول فيه عن

جابر و نحوه لأنه عندهم ممن يدلس , فإذا قال : سمعت , و أخبرنا احتج به ,

و يحتج به ابن حزم إذا قال : عن مما رواه عنه الليث بن سعد خاصة , و ذلك لأن 

سعيد بن أبي مريم قال : حدثنا الليث قال : جئت أبا الزبير , فدفع إلى كتابين , 

فانقلبت بهما , ثم قلت في نفسي : لو أننى عاودته فسألته أسمع هذا من جابر ?

فسألته , فقال : منه ما سمعت , و منه ما حدثت به , فقلت : أعلم لي على ما سمعت

منه , فأعلم لي على هذا الذي عندي , ثم قال الذهبي : و في " صحيح مسلم " عدة 

أحاديث مما لم يوضح فيها أبو الزبير السماع من جابر , و لا هي من طريق الليث 

عنه , ففي القلب منها شيء , و قال الحافظ في ترجمته من " التقريب " : صدوق إلا

أنه يدلس , و أورده في المرتبة الثالثة من كتابه " طبقات المدلسين ( ص 15 )

و قال : مشهور بالتدليس , و وهم الحاكم في " كتاب علوم الحديث " فقال في سنده :

و فيه رجال غير معروفين بالتدليس ! و قد وصفه النسائي و غيره بالتدليس , و قال 

في مقدمة الكتاب في صدد شرح مراتبه : الثالثة من أكثر من التدليس , فلم يحتج 

الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع , و منهم من رد حديثهم مطلقا ,

و منهم من قبلهم , كأبي الزبير المكي .

قلت : و الصواب من ذلك المذهب الأول و هو قبول ما صرحوا فيه بالسماع و عليه 

الجمهور خلافا لابن حزم فإنه يرد حديثهم مطلقا و لو صرحوا بالتحديث كما نص عليه 

في أول كتابه " الإحكام في أصول الأحكام " على ما أذكر , فإن يدي لا تطوله الآن 

و أرى أنه قد تناقض في أبي الزبير منهم خاصة , فقد علمت مما نقلته لك عن الذهبي 

آنفا أن ابن حزم يحتج به إذا قال : سمعت , و هذا ما صرح به في هذا الحديث ذاته 

فقال في " المحلى " في صدد الرد على المخالفين له ( 7 / 363 - 364 ) : هذا حجة 

على الحاضرين من المخالفين , لأنهم يجيزون الجذع من الضأن , مع وجود المسنات , 

فقد خالفوه , و هم يصححونه , و أما نحن فلا نصححه , لأن أبا الزبير مدلس ما لم 

يقل في الخبر أنه سمعه من جابر , هو أقر بذلك على نفسه , روينا ذلك عنه من طريق 

الليث بن سعد .

انظر " الإحكام "‏( 1 / 139 ـ 140 ) , و مقدمتي لـ" مختصر مسلم " ( المكتبة 

الإسلامية ) .

و جملة القول : أن كل حديث يرويه أبو الزبير عن جابر أو غيره بصيغة عن و نحوها 

و ليس من رواية الليث بن سعد عنه , فينبغي التوقف عن الاحتجاج به , حتى يتبين 

سماعه , أو ما يشهد له , و يعتضد به .

هذه حقيقة يجب أن يعرفها كل محب للحق , فطالما غفل عنها عامة الناس , و قد كنت 

واحدا منهم , حتى تفضل الله علي فعرفني بها , فله الحمد و الشكر , و كان من 

الواجب علي أن أنبه على ذلك , فقد فعلت , و الله الموفق لا رب سواه .

و إذا تبين هذا , فقد كنت ذكرت قبل حديث جابر هذا حديثين ثابتين في التضحية 

بالجذع من الضأن , أحدهما حديث عقبة بن عامر , و الآخر حديث مجاشع بن مسعود 

السلمي و فيه : " أن الجذع يوفي مما يوفي الثني " , و كنت تأولتهما بما يخالف 

ظاهرهما توفيقا بينهما و بين حديث جابر , فإذ قد تبين ضعفه , و أنه غير صالح 

للاحتجاج به , و لتأويل ما صح من أجله , فقد رجعت عن ذلك , إلى دلالة الحديثين 

الظاهرة في جواز التضحية بالجذع من الضأن خاصة , و حديث مجاشع و إن كان بعمومه 

يشمل الجذع من المعز , فقد جاء ما يدل على أنه غير مراد و هو حديث البراء قال : 

ضحى خالي أبو بردة قبل الصلاة , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تلك شاة 

لحم " , فقال : يا رسول الله إن عندي جذعة من المعز , فقال : " ضح بها , و لا 

تصلح لغيرك " و في رواية : " اذبحها , و لن تجزئ عن أحد بعدك " و في أخرى :

" و لا تجزيء جذعة عن أحد بعدك " , أخرجه مسلم ( 6 / 74 - 76 ) و البخاري نحوه 

و يبدو جليا من مجموع الروايات أن المراد بالجذعة في اللفظ الأخير الجذعة من 

المعز , فهو في ذلك كحديث عقبة المتقدم من رواية البخاري , و أما فهم ابن حزم 

من هذا اللفظ جذعة العموم فيشمل عنده الجذعة من الضأن فمن ظاهريته و جموده على 

اللفظ دون النظر إلى ما تدل عليه الروايات بمجموعها , و السياق و السباق ,

و هما من المقيدات , كما نص على ذلك ابن دقيق العيد و غيره من المحققين .

ذلك هو الجواب الصحيح عن حديث جابر رضي الله عنه , و أما قول الحافظ في

" التلخيص " ( ص 385 ) .

تنبيه : ظاهر الحديث يقتضي أن الجذع من الضأن لا يجزئ إلا إذا عجز عن المسنة , 

و الإجماع على خلافه , فيجب تأويله , بأن يحمل على الأفضل و تقديره : المستحب 

أن لا تذبحوا إلا مسنة .

قلت : هذا الحمل بعيد جدا , و لو سلم فهو تأويل , و التأويل فرع التصحيح ,

و الحديث ليس بصحيح كما عرفت فلا مسوغ لتأويله .

و قد تأوله بعض الحنابلة بتأويل آخر لعله أقرب من تأويل الحافظ , ففسر المسنة 

بما إذا كانت من المعز ! و يرد هذا ما في رواية لأبي يعلى في " مسنده "

( ق 125 / 2 ) بلفظ : " إذا عز عليك المسان من الضأن , أجزأ الجذع من الضأن "

و هو و إن كان ضعيف السند كما بينته في " إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار 

السبيل " ( رقم 1131 ) , فمعناه هو الذي يتبادر من اللفظ الأول .

و لعل الذي حمل الحافظ و غيره على ارتكاب مثل هذا التأويل البعيد هو الاعتقاد 

بأن الإجماع على خلاف ظاهر الحديث , و قد قاله الحافظ كما رأيت .

فينبغي أن يعلم أن بعض العلماء كثيرا ما يتساهلون في دعوى الإجماع في أمور 

الخلاف فيها معروف , و عذرهم في ذلك أنهم لم يعلموا بالخلاف , فينبغي التثبت في 

هذه الدعوى في مثل هذه المسألة التي لا يستطيع العالم أن يقطع بنفي الخلاف فيها 

كما أرشدنا الإمام أحمد رحمه الله بقوله : من ادعى الإجماع فهو كاذب , و ما 

يدريه لعلهم اختلفوا , أو كما قال رواه ابنه عبد الله بن أحمد في " مسائله " .

فمما يبطل الإجماع المزعوم في هذه المسألة ما روى مالك في " الموطأ " ( 2 /

482 / 2 ) عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يتقي من الضحايا و البدن التي لم تسن 

و رواه عبد الرزاق عن مالك عن نافع بن ابن عمر قال : " لا تجزيء إلا الثنية 

فصاعدا " , ذكره ابن حزم ( 7 / 361 ) و ذكر بمعناه آثارا أخرى فليراجعها من شاء 

الزيادة .

و ختاما أقول : نستطيع أن نستخلص مما سبق من التحقيق : أن حديث هلال هذا :

" نعمت الأضحية الجذع من الضأن " و كذا الذي قبله , و إن كان ضعيف المبنى , فهو 

صحيح المعنى , يشهد له حديث عقبة و مجاشع , و لو أني استقبلت من أمري ما 

استدبرت , لما أوردتهما في هذه " السلسلة " و لأوردت بديلهما حديث جابر هذا ,

و لكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا , و لله في خلقه شؤون .

66

" من عرف نفسه فقد عرف ربه " .

 

قال الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة ( 1 / 165 ) :

 

$ لا أصل له .

قال في " المقاصد " للحافظ السخاوي ( ص 198 ) : قال أبو المظفر بن السمعاني : 

لا يعرف مرفوعا و إنما يحكي عن يحيى بن معاذ الرازي من قوله و كذا قال النووي : 

إنه ليس بثابت .

و نقل السيوطي في " ذيل الموضوعات " ( ص 203 ) كلام النووي هذا و أقره , و قال 

في " القول الأشبه " ( 2 / 351 ) من " الحاوي للفتاوى " : هذا الحديث ليس بصحيح 

.

و نقل الشيخ القاري في " موضوعاته " ( ص 83 ) عن ابن تيمية أنه قال : موضوع .

 و قال العلامة الفيروز أبادي - صاحب القاموس - في " الرد على المعترضين على 

الشيخ ابن عربي " ( ق 37 / 2 ) : ليس من الأحاديث النبوية , على أن أكثر الناس 

يجعلونه حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم , و لا يصح أصلا, و إنما يروي في

الإسرائيليات : " يا إنسان اعرف نفسك تعرف ربك " .

قلت : هذا حكم أهل الاختصاص على هذا الحديث , و مع ذلك فقد ألف بعض الفقهاء 

المتأخرين من الحنفية رسالة في شرح هذا الحديث ! و هي محفوظة في مكتبة الأوقاف 

الإسلامية في حلب , و كذلك شرح أحدهم حديث : " كنت كنزا مخفيا ... " في رسالة 

خاصة أيضا موجودة في المكتبة المذكورة برقم ( 135 ) مع أنه حديث لا أصل له أيضا 

كما سيأتي ( 6023 ) , و ذلك مما يدل على أن هؤلا&#