|
" إذا أقرض أحدكم قرضا فأهدي له , أو حمله على
الدابة , فلا يركبها , و لا
يقبله إلا أن يكون جري بينه و بينه قبل ذلك " .
قال الألباني في " السلسلة الضعيفة و الموضوعة
" ( 3/303 ) :
$ ضعيف $
أخرجه ابن ماجه ( 2/81 ) : حدثنا هشام بن عمار
: حدثنا إسماعيل بن عياش : حدثني
عتبة بن حميد الضبي عن يحيى بن أبي إسحاق
الهنائي قال : سألت # أنس بن مالك # :
الرجل منا يقرض أخاه المال فيهدي له ? قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
.. فذكره .
قلت : و هذا إسناد ضعيف ظاهر الضعف , فإن
إسماعيل بن عياش ضعيف في روايته عن
غير الشاميين و هذه منها لأن عتبة هذا بصري , و
هو صدوق له أوهام كما في "
التقريب " .
و له علة أخرى فقد قال في " الزوائد " :
" في إسناده عتبة بن حميد الضبي ضعفه أحمد و
أبو حاتم , و ذكره ابن حبان في "
الثقات " , و يحيى بن أبي إسحاق لا يعرف " .
و أخرجه البيهقي ( 5/350 ) من طريق سعيد بن
منصور : حدثنا إسماعيل بن عياش به
إلا أنه قال : " يزيد بن أبي يحيى " , ثم أخرجه
من طريق أخرى عن هشام به مثل
رواية ابن ماجه . ثم قال البيهقي :
" قال المعمري : قال هشام في هذا الحديث : "
يحيى بن أبي إسحاق الهنائي " ,
و لا أراه إلا وهم , و هذا حديث يحيى بن يزيد
الهنائي عن أنس , و رواه شعبة
و محمد بن دينار فوقفاه " .
قلت : و يحيى بن يزيد من رجال مسلم لكن استظهر
ابن التركماني في " الجوهر النقي
" أن الحديث لابن أبي إسحاق لا لابن يزيد . و
قد علمت أن ابن أبي إسحاق هذا
مجهول , و به صرح الحافظ في " التقريب " .
و بالجملة فللحديث خمس علل :
1 - ضعف إسماعيل بن عياش .
2 - ضعف عتبة بن حميد الضبي .
3 - الاضطراب في سنده .
4 - جهالة ابن أبي يحيى .
5 - روايته موقوفا .
فالعجب من رمز السيوطي لحسنه كما نقله المناوي
في " الفيض " ثم تبناه في "
التيسير " ! و أعجب منه قول العزيزي : " و هو
حديث صحيح " كما نقله شارح "
الموافقات " ( 2/384 ) فإن الحديث مع هذا الضعف
الذي في إسناده يعارضه حديث أبي
هريرة في " الصحيحين " و غيرهما أن رجلا تقاضى
رسول الله صلى الله عليه وسلم
فأغلظ له , فهم أصحابه به , فقال : " دعوه ;
فإن لصاحب الحق مقالا , اشتروا له
بعيرا فأعطوه " , قالوا : إنا نجد له سنا أفضل
من سنه , قال : " اشتروه ,
فأعطوه إياه ; فإن خيركم أحسنكم قضاء " . و
أحاديث زيادته صلى الله عليه وسلم
في الوفاء و حثه على ذلك كثيرة مستفيضة أخرجها
البيهقي ( 5/351 - 352 ) و بعضها
في " صحيح البخاري " .
ففي هذه الأحاديث إقراره صلى الله عليه وسلم
للدائن على أخذ الزيادة التي قدمها
إليه المدين باختياره , و حض المدين على
الزيادة في الوفاء , و قد أمر بذلك
صلى الله عليه وسلم بقوله : " من صنع إليكم
معروفا فكافئوه , فإن لم تستطيعوا
أن تكافئوه , فادعوا له حتى تعلموا أن قد
كافأتموه " . و هو مخرج في " الصحيحة
" ( 254 ) .
ثم رأيت لشيخ الإسلام ابن تيمية بحثا حول هذا
الحديث في " إقامة الدليل على
إبطال التحليل " ( ص 127 - 128 ) ج3 من الفتاوي
ذهب فيه إلى أن الحديث حديث حسن
. و أن راويه عن أنس قال : " إنما هو - والله
أعلم - يحيى بن يزيد الهنائي ,
فلعل كنية أبيه أبو إسحاق و هو ثقة من رجال
مسلم , قال : و عتبة بن أبي حميد
معروف بالرواية عن الهنائي , قال فيه أبو حاتم
: هو صالح الحديث , و أبو حاتم
من أشد المزكين شرطا في التعديل , و قد روى عن
الإمام أحمد أنه قال : هو ضعيف
ليس بالقوي , لكن هذه العبارة يقصد بها أنه ممن
ليس يصحح حديثه , بل هو ممن
يحسن حديثه , و قد كانوا يسمون حديث مثل هذا
ضعيفا و يحتجون به لأنه حسن , إذ
لم يكن الحديث إذ ذاك مقسوما إلا إلى صحيح و
ضعيف , و في مثله يقول الإمام أحمد
: الحديث الضعيف خير من القياس . يعني الذي لم
يقو قوة الصحيح , مع أن مخرجه
حسن . و إسماعيل بن عياش حافظ ثقة في حديثه عن
الشاميين و غيرهم , و إنما يضعف
حديثه عن غيرهم نظر , و هذا الرجل بصري الأصل "
.
قلت : و في هذا الكلام ملاحظات , أهمها قوله :
" إن حديث إسماعيل صحيح عن
الشاميين و غيرهم , و إنما يضعف حديثه عن
الحجازيين فقط " .
و هذا عندي خطأ و الصواب العكس تماما , أعني
حديثه عن الشاميين فقط صحيح و عن
غيرهم من الحجازيين و العراقيين ضعيف و هو ما
صرحت به عبارات الأئمة بعضهم
بصريح كلامهم و بعضهم بعمومه فقال ابن معين في
رواية مضر بن محمد الأسدي عنه :
" إذا حدث عن الشاميين و ذكر الخبر فحديثه
مستقيم , و إذا حدث عن الحجازيين
و العراقيين خلط ما شئت " .
و قال أحمد :
" هو في الشاميين أحسن حالا مما روى عن
المدينيين و غيرهم " .
و نحوه عن أبي داود . و قال ابن المديني :
" كان يوثق فيما روى عن أصحابه أهل الشام ,
فأما ما روى عن غير أهل الشام ففيه
ضعف " .
و في رواية ابنه عبد الله عنه :
" خلط في حديثه عن أهل العراق " .
و قال ابن عدي :
" و حديثه عن الشاميين مستقيم و هو في الجملة
ممن يكتب حديثه و يحتج به في حديث
الشاميين خاصة " <1> .
و قال الحافظ في " تهذيب التهذيب " :
" و ضعف روايته عن غير الشاميين أيضا النسائي و
أبو أحمد الحاكم و البرقي
و الساجي " .
قلت : و البخاري أيضا , و نص كلامه كما في "
تاريخ بغداد " ( 6/224 ) :
" إذا حدث عن أهل بلده فصحيح , و إذا حدث عن
غير أهل بلده ففيه نظر " .
فهذه النقول عن هؤلاء الفحول تؤيد ما ذهبنا
إليه , و هو المشهور عند المشتغلين
بعلم السنة كما قال الحافظ في " التقريب " :
" صدوق في روايته عن أهل بلده , مخلط في غيرهم
" .
و قد أفسد جملته الأخيرة المحشي عليه حيث قال :
" مخلط في غيرهم . أي عن أهل الحجاز " .
و هذا خطأ كخطأ ابن تيمية , و قصد الحافظ
بعبارته أوسع من ذلك . و لم أجد من
سبق شيخ الإسلام إلى القول بأن حديثه عن
الشاميين و غيرهم إلا الحجازيين صحيح .
و قد بين ابن حبان سبب ضعفه في غير الشاميين
بقوله في " الضعفاء " ( 1/125 ) :
" كان إسماعيل من الحفاظ المتقنين في حداثته ,
فلما كبر تغير حفظه , فما حفظ
في صباه أتى به على جهته , و ما حفظ على الكبر
من حديث الغرباء غلط فيه ,
و أدخل الإسناد في الإسناد , و ألزق المتن
بالمتن و هو لا يعلم , فمن كان هذا
نعته حتى صار الخطأ في حديثه يكثر , خرج عن حد
الاحتجاج به " .
و قد ذكر الخطيب أن إسماعيل قدم قدمتين :
الأولى إلى الكوفة , و الأخرى إلى
بغداد , و ولاه أبو جعفر المنصور خزانة الكسوة
, و حدث بها حديثا كثيرا , ثم
حكى أن وفاته كانت سنة إحدى أو اثنتين و ثمانين
و مائة . و لكنه لم يذكر موضع
وفاته أهو بغداد أم حمص .
إذا عرفت ما سبق يتبين لك أن الحديث ضعيف
الإسناد لأن شيخ إسماعيل فيه بصري غير
شامي , و أن الشيخ ابن تيمية أخطأ في تحسينه ,
كيف لا و في الحديث العلل الأخرى
? و الجواب عن بقية كلام الشيخ يطول و حسبنا ما
تقدم .
هذا من جهة إسناد الحديث , و أما من جهة متنه
فقد ذكرت فيما تقدم أنه معارض
بحديث الصحيحين مما يؤكد ضعفه , و لكن شيخ
الإسلام رحمه الله حمله على الهدية
قبل الوفاء , فإذا صح هذا فلا تعارض بينهما ,
لكن ظاهر هذا الحديث أعم من ذلك ,
نعم ذكر الشيخ آثارا عن بعض الصحابة , بعضها
صريح بما حمل عليه الحديث , لكن
البحث إنما هو في متن الحديث هل هو خاص بما ذكر
أو هو أعم من ذلك كما يظهر لنا
? و قد قال الشيخ بعد تلك الآثار :
" فنهي النبي صلى الله عليه وسلم هو و أصحابه
المقرض عن قبول هدية المقترض قبل
الوفاء لأن المقصود بالهدية أن يؤخر الاقتضاء و
إن كان لم يشترط ذلك و لم يتكلم
به فيصير بمنزلة أن يأخذ الألف بهدية ناجزة و
ألف مؤخرة و هذا ربا , و لهذا جاز
أن يزيده عن الوفاء و يهدي له بعد ذلك لزوال
معنى الربا " .
و هذا كلام فقيه , و إنما البحث في إسناد
الحديث و معناه كما تقدم . فتأمل .
*--------------------------------------------------------------------------*
[1] و انظر كلامه في الحديث الآتي ( 1197 ) .
اهـ .
#1# |