|
" كان جالسا يوما , فأقبل أبوه من الرضاعة ,
فوضع له بعض ثوبه , فقعد عليه , ثم
أقبلت أمه , فوضع لها شق ثوبه من جانبه الآخر ,
فجلست عليه , ثم أقبل أخوه من
الرضاعة , فقام له رسول الله صلى الله عليه
وسلم , فأجلسه بين يديه " .
قال الألباني في " السلسلة الضعيفة و الموضوعة
" ( 3/246 ) :
$ ضعيف $ .
أخرجه أبو داود في " السنن " ( 5145 ) : حدثنا
أحمد بن سعيد الهمداني : حدثنا
ابن وهب قال : حدثني عمرو بن الحارث أن # عمر
بن السائب # حدثه أنه بلغه أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا ..
فذكره .
قلت : و هذا إسناد ضعيف , و له علل :
الأولى : جهالة المبلغ لعمر بن السائب , و
يحتمل أن يكون صحابيا , و يحتمل أن
يكون تابعيا , و مع الاحتمال يسقط الاستدلال ,
لأنه على الاحتمال الثاني ,
يحتمل أن يكون التابعي الذي لم يسم ثقة , و
يحتمل غير ذلك , و لهذا لا يحتج
علماء الحديث بالمرسل , كما هو مقرر في علم
المصطلح . و الاحتمال الثاني أرجح
من الأول لأن عمر بن السائب , أورده ابن حبان
في " أتباع التابعين " من " كتاب
الثقات " ( 2/197 ) و قال :
" يروي عن القاسم بن أبي القاسم و المدنيين .
روى عنه عمرو بن الحارث " .
و ذكر الحافظ في " التقريب " أنه من الطبقة
السادسة و هي طبقة الذين لم يثبت
لهم لقاء أحد من الصحابة .
و على هذا فالحديث معضل .
الثانية : أن عمر بن السائب نفسه , لم تثبت
عندي عدالته , فإنه لم يوثقه أحد
غير ابن حبان , و تساهله في التوثيق معروف , و
قد أورده ابن أبي حاتم في "
الجرح و التعديل " ( 3/1/114 ) و لم يحك فيه
توثيقا , فهو في حكم المستورين ,
و أما الحافظ فقال من عنده أنه : " صدوق " .
ثم بدا لي أنه لعل ذلك لأنه روى عنه أيضا الليث
بن سعد و ابن لهيعة و أسامة بن
زيد .
الثالثة : أحمد بن سعيد الهمداني , مختلف فيه ,
فوثقه ابن حبان و العجلي ,
و ضعفه النسائي , و قال الذهبي في " الميزان "
:
" لا بأس به , تفرد بحديث الغار , قال النسائي
: غير قوي " .
قلت : و خلاصة القول أن الحديث ضعيف لا يحتج به
.
و إن ما حملني على الكشف عن حال هذا الحديث
أنني رأيت نشرة لأحد مشايخ ( إدلب )
بعنوان : " قيام الرجل للقادم عليه جائز " ,
ذكر فيها اختلاف العلماء في هذه
المسألة , و مال هو إلى القول بالجواز و استدل
على ذلك بأحاديث بعضها صحيح لا
دليل فيه , كحديث : " قوموا إلى سيدكم " , و
بعضها لا يصح كهذا الحديث , و قد
أورده من رواية أبي داود , دون أن يعلم ما فيه
من الضعف , و هذا أحسن الظن به !
و لذلك قمت بواجب بيانه , نصحا للأمة , و شفقة
أن يغتر أحد به .
و نحن و إن كنا لا نقول بتحريم هذا القيام الذي
اعتاده الناس اليوم , و الذي
حكى الخلاف فيه الشيخ المشار إليه نفسه - لعدم
وجود دليل التحريم - فإننا ندعو
الناس جميعا , و في مقدمتهم أهل العلم و الفضل
أن يقتدوا بالنبي صلى الله عليه
وسلم في موقفه من هذا القيام , فإذا كان أحبه
صلى الله عليه وسلم لنفسه ,
فليحبوه لأنفسهم , و إن كان كرهه لنفسه
المعصومة عن وسوسة الشيطان و حبائله ,
فعليهم أن يكرهوه لأنفسهم من باب أولى - كما
يقول الفقهاء - لأنها غير معصومة
من وساوس الشيطان و حبائله , فما هو موقفه صلى
الله عليه وسلم من القيام
المذكور ? الجواب :
قال أنس رضي الله عنه : " ما كان شخص أحب إليهم
من رسول الله صلى الله عليه
وسلم رؤية , و كانوا لا يقومون له , لما يعلمون
من كراهيته لذلك " أخرجه
البخاري في " الأدب المفرد " و الترمذي بإسناد
صحيح على شرط مسلم , و قال
الترمذي : " حديث حسن صحيح " , و بوب له بقوله
:
" باب ما جاء في كراهية قيام الرجل للرجل " .
فمن كان صادقا في بحثه العلمي لهذه المسألة ,
مخلصا فيه , لا يريد منه إرضاء
الناس , و لا إقرارهم على ما اعتادوه مع
مشايخهم على خلاف سنة الصحابة مع نبيهم
, - و لعل الشيخ منهم - فليحيي هذه السنة التي
أماتها أهل العلم فضلا عن غيرهم
, و ليتبع النبي صلى الله عليه وسلم في كراهته
لهذا القيام , و علامة ذلك أن لا
يغضب إذا دخل مجلسا لم يقم له أهله , بل إذا
قاموا له حسب العادة , و على خلاف
سنته صلى الله عليه وسلم تلطف معهم , و شكرهم
على حسن نيتهم , و علمهم ما كان
خافيا من سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم , و
بذلك تحيا السنن و تموت البدع ,
و تطيب النفوس و يذهب التباغض و التقاطع . و من
عجيب أمر ذلك الشيخ , أنه مع
حكايته الخلاف في هذه المسألة و أن النبي صلى
الله عليه وسلم كان يكره القيام
له من أصحابه , و أن من الورع ترك القيام , ذكر
الشيخ هذا كله , و مع ذلك فإنه
في آخر النشرة , يسمي ترك هذا القيام بدعة ! و
ينبز الدعاة إليه بـ " المبتدعين
" , مع أنهم لا يزيدون على القول بكراهته ,
لكراهة النبي صلى الله عليه وسلم
إياه باعتراف الشيخ .
نعم إن الشيخ - تبعا لغيره - يعلل كراهته صلى
الله عليه وسلم لذلك بقوله : "
لتواضعه صلى الله عليه وسلم " . و نحن و إن كنا
لا نجد هذا التعليل منصوصا عليه
في الحديث , فيحتمل أن تكون الكراهة المذكورة
لذلك , و أن تكون لما فيه من
التشبه بالأعاجم , و يحتمل أن يكون لمجموع
الأمرين , و لغيرهما , مع ذلك فإننا
نتخذ هذا التعليل من الشيخ حجة عليه و على
أمثاله , فنقول :
كره رسول الله صلى الله عليه وسلم القيام له
تواضعا منه , فهل يكرهه الشيخ أيضا
تواضعا منه ? ! و هل يرى هذا التواضع حسنا
ينبغي الاقتداء به , و حمل الناس
عليه , و خاصة أهل العلم ? فإن كان الجواب نعم
, فقد عاد إلى الصواب , و وافقنا
عليه , و إن قال : ليس بحسن , فنسأل المفتي عن
حكم من يستقبح فعله صلى الله
عليه وسلم و تواضعه ? أيبقى على إسلامه , أم
يمرق من الدين كما يمرق السهم من
الرمية , و يحبط عمله , و هو في الآخرة من
الخاسرين ?
و من جهله أنه ذكر في النشرة المشار إليها أن
الزهري أتى إلى الإمام أحمد يسلم
عليه , فلما رآه الإمام أحمد وثب إليه قائما و
أكرمه . و لا يدري المسكين أن
الإمام أحمد لم يدرك الزهري , و أن بين
وفاتيهما نحو قرن و ربع القرن !
|