|
" كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
صلاة الظهر بالهاجرة فقال لنا :
أبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم ".
قال الألباني في "السلسلة
الضعيفة و الموضوعة " ( 2 / 362 ) :
$ ضعيف بهذا السياق $ . أخرجه ابن ماجة ( 1 /
232 ) و ابن أبي حاتم في " العلل
" ( رقم 376 و 378 ) و ابن حبان في " صحيحه "(
269 - موارد ) و الطحاوي في "
شرح المعاني "( 1 / 111 ) و البيهقي ( 1 / 439
) و أحمد ( 4 / 250 ) من طريق
إسحاق بن يوسف الأزرق عن شريك عن بيان بن بشر
عن قيس بن أبي حازم عن # المغيرة
بن شعبة # قال : فذكره . قلت : و هذا سند ضعيف
, علته شريك و هو بن عبد الله
القاضي و هو ضعيف لسوء حفظه كما تقدم آنفا , و
قال الحافظ في " التقريب " : "
صدوق يخطيء كثيرا , تغير حفظه منذ ولي القضاء
بالكوفة " . قلت : و من ذلك تعلم
أن قول الحافظ في " الفتح " ( 2 / 13 ) : "
رجاله ثقات , رواه أحمد و ابن ماجه
و صححه ابن حبان " , وهم أو تساهل منه , و إن
قلده فيه الصنعاني في " العدة " (
2 / 485 ) , و أشد منه في الوهم قول البوصيري
في " الزوائد " ( ق 46 / 1 ) : "
إسناده صحيح , و رجاله ثقات " !! و ليت شعري
كيف يكون ثقة صحيح الإسناد و فيه
من كان يخطيء كثيرا , و هو معروف بذلك لدى أهل
العلم ?! و لاسيما و قد اضطرب في
إسناد هذا الحديث , فرواه مرة هكذا , و مرة قال
: " عن عمارة بن القعقاع عن أبي
زرعة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم
بمثله " . رواه على الوجهين أبو
حاتم الرازي , فقال ابنه ( 1 / 136 / 378 ) : "
سمعت أبي يقول : سألت يحيى بن
معين و قلت له : حدثنا أحمد بن حنبل بحديث
إسحاق الأزرق عن شريك عن بيان ... (
قلت : فذكره ثم قال : ) و ذكرته للحسن بن شاذان
الواسطي فحدثنا به , و حدثنا
أيضا عن إسحاق عن شريك عن عمارة بن القعقاع عن
أبي زرعة عن أبي هريرة عن النبي
صلى الله عليه وسلم : بمثله ? قال يحيى : ليس
له أصل إني <1> نظرت في كتاب
إسحاق فليس فيه هذا . قلت لأبي : فما قولك في
حديث عمارة بن القعقاع عن أبي
زرعة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم
: الذي أنكره يحيى ? قال هو
عندي صحيح و حدثنا به أحمد ابن حنبل بالحديثين
جميعا عن إسحاق الأزرق . قلت
لأبي : فما بال يحيى نظر في كتاب إسحاق فلم
يجده ? قال : كيف ? نظر في كتابه
كله ? ! إنما نظر في بعض و ربما كان في موضع
آخر " . فقد حكم أبو حاتم على
الحديث بالصحة من رواية شريك بسنده عن أبي
هريرة خلافا لما يوهمه صنيع الحافظ
في " التلخيص " ( 67 ) أنه صحح حديث المغيرة ,
و السياق المذكور من كلام أبي
حاتم يشهد لما ذكرنا . و يؤيده أن أبا حاتم أعل
الطريق الأولى . فقد قال ابن
أبي حاتم ( 1 / 136 / 376 ) بعد أن ساقها : " و
رواه أبو عوانة عن طارق عن قيس
قال :سمعت
عمر بن الخطاب قال :أبردوا
بالصلاة . قال ابن أبي حاتم عن أبيه : "
أخاف أن يكون هذا الحديث ( يعني الموقوف على
عمر ) يدفع ذاك الحديث . قلت :
فأيهما أشبه ? قال : كأنه هذا , يعني حديث عمر
قال أبي في موضع آخر : لو كان
عند قيس عن المغيرة عن النبي صلى الله عليه
وسلم لم يحتج أن يفتقر إلى أن يحدث
عن عمر موقوفا " . و قد ذكر الحافظ في "
التلخيص " عن ابن معين نحو ما ذكر ابن
أبي حاتم عن أبيه فقال : " و أعله ابن معين بما
روى أبو عوانة عن طارق عن قيس
عن عمر موقوفا . و قال : لو كان عند قيس عن
المغيرة مرفوعا لم يفتقر إلى أن
يحدث به عن عمر موقوفا , و قوى ذلك عنده أن أبا
عوانة أثبت من شريك " . قلت : و
هذا هو الذي تقتضيه القواعد العلمية أن الحديث
معلول بتفرد شريك به و مخالفته
لمن هو أثبت منه , فلا وجه عندي لتصحيح الحديث
كما فعل أبو حاتم , و قال الحافظ
قبيل ما نقلنا عنه آنفا ! " و ذكر الميموني عن
أحمد أنه رجح صحته " و في " طرح
الترتيب " للحافظ العراقي ( 2 / 154 ) : " و
ذكر الخلال عن الميموني أنهم
ذاكروا أبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل -
حديث المغيرة بن شعبة , فقال :
أسانيد جياد , قال و في رواية غير الميموني : و
كان آخر الأمرين من رسول الله
صلى الله عليه وسلم الإبراد " . فهذا النقل عن
الإمام أحمد غريب عندي لقوله "
أسانيد جياد " مع أنه ليس له إلا إسناد واحد
كما يفيده قول الحافظ ابن حجر : "
تفرد به إسحاق الأزرق عن شريك ... " و قال
البيهقي عقب الحديث : " قال أبو عيسى
الترمذي ... فيما بلغني عنه - : سألت محمدا
يعني البخاري - عن هذا الحديث ?
فعده محفوظا , و قال : رواه غير شريك عن بيان
عن قيس عن المغيرة قال : كنا نصلي
الظهر بالهاجرة , فقيل لنا : أبردوا بالصلاة
فإن شدة الحر من فيح جهنم , رواه
أبو عيسى عن عمر بن إسماعيل بن مجالد عن أبيه
عن بيان كما قال البخاري " . قلت
: عمر بن إسماعيل ضعيف جدا , قال بن معين :
كذاب خبيث رجل سوء , و قال النسائي
: " ليس بثقة , متروك الحديث " . و أبوه فيه
ضعف , فمثل هذه الطريق لا يقوى
طريق شريك لشدة ضعفها , فلا أدري ما وجه عد
البخاري الحديث محفوظا , فإن كان
بالنظر إلى الطريق الأولى فقد عرفت ضعفها و
تفرد شريك بها , و إن كان من أجل
هذه الطريق فهي ضعيفة جدا . و خلاصة القول : أن
الحديث ضعيف لا تقوم به حجة
عندي , لتفرد الضعيف به , و عدم وجود شاهد
معتبر له . ثم إن الكلام عليه إنما
هو بالنظر لوروده بهذا السياق الذي يدل على أن
صلاته صلى الله عليه وسلم
بالهاجرة منسوخ بقوله : أبردوا .. و هو ظاهر
الدلالة على ذلك , و به أحتج
الطحاوي و غيره على النسخ فإذا تبين ضعفه سقط
الاحتجاج به و أما إذا نظرنا إلى
الحديث نظرة أخرى و هي أنه تضمن أمرين اثنين :
صلاته صلى الله عليه وسلم
بالهاجرة , و أمره بالإبراد دون أن نربط بينهما
بهذا السياق الذي يمنع من فعل
أي الأمرين و يضطرنا إلى القول بالنسخ . أقول
إذا نظرنا إليه هذه النظرة
فالحديث صحيح أما الأمر الأول فقد ورد من حديث
جابر قال : " كان النبي صلى الله
عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة " . أخرجه
البخاري ( 2 / 33 ) و مسلم ( 2 / 119
) و غيرهما . و أما الأمر بالإبراد . فقد ورد
في " الصحيحين " و غيرهما من طرق
عن أبي هريرة و عن أبي سعيد أيضا , و ابن عمر .
فإذا عرف هذا . فقد اختلف
العلماء في الجمع بين الأمرين . فذهب الطحاوي و
غيره إلا أن الأول منسوخ . و قد
عرفت ضعف دليله , و ذهب الجمهور إلى أن الأمر
بالإبراد أمر استحباب , فيجوز
التعجيل به . و الإبراد أفضل , و ذهب بعض
الأئمة إلى تخصيص ذلك بالجماعة دون
المنفرد , و بما إذا كانوا ينتابون مسجدا من
بعد , فلو كانوا مجتمعين , أو
كانوا يمشون في كن فالأفضل في حقهم التعجيل , و
الحق التسوية , و أنه لا فرق
بين جماعة و جماعة , و لا بينهما و بين الفرد ,
فالكل يستحب لهم الإبراد , لأن
التأذي بالحر الذي يتسبب عنه ذهاب الخشوع ,
يستوي فيه المنفرد و غيره كما قال
الشوكاني ( 1 / 265 ) . و أما تخصيص ذلك بالبلد
الحار , فهو الظاهر من التعليل
في قوله " فإن شدة الحر من فيح جهنم " . و يشهد
له من فعله صلى الله عليه وسلم
حديث أنس قال : " كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم إذا اشتد البرد بكر بالصلاة
, و إذا اشتد الحر أبرد بالصلاة " . أخرجه
البخاري في " الأدب المفرد " ( 1162
) و النسائي ( 1 / 87 ) و الطحاوي ( 1 / 111 )
, و له عنده شاهد من حديث أبي
مسعود بسند حسن . ( تنبيه ) : قال الحافظ في "
التلخيص " في تخريج حديث المغيرة
: " و في رواية للخلال : و كان آخر الأمرين من
رسول الله صلى الله عليه وسلم
الإبراد " . و تلقى هذا عنه الشوكاني في " نيل
الأوطار " ( 1 / 265 ) دون أن
يعزوه إليه كما هو الغالب عليه من عادته ! ثم
بنى على ذلك قوله في الصفحة التي
قبل المشار إليها : " فرواية الخلال من أعظم
الأدلة الدالة على النسخ " . قلت :
لكن الظاهر مما نقله الحافظ العراقي عن الخلال
فيما سبق ذكره في هذا البحث أن
هذه الرواية ليست من حديث المغيرة , و إنما هي
من قول الإمام أحمد رحمه الله ,
و قد صرح بهذا الحافظ في " الفتح " ( 2 / 13 )
فقال : " و نقل الخلال عن أحمد
أنه قال : هذا آخر الأمرين من رسول الله صلى
الله عليه وسلم " . و كذا قال
الصنعاني في " العدة " ( 2 / 485 ) دون أن
يعزوه للحافظ أيضا !
-----------------------------------------------------------
[1] قلت : الأصل ( إنما )و لعل الصواب ما
أثبتنا . اهـ . |