|
" إنما حر جهنم على أمتي كحر الحمام " .
قال الألباني في " السلسلة الضعيفة و الموضوعة
" ( 2 / 145 ) :
$ موضوع $ . رواه الطبراني في " المعجم الأوسط
" قال : " حدثنا محمد بن عبد
الرحمن بن ريسان : حدثنا محمد بن الواقدي :
حدثنا شعيب بن طلحة بن <1> عبد الله
بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق : حدثني أبي ,
عن أبيه عن جده عن # أبي بكر #
مرفوعا . نقلته من " الميزان " , أورده في
ترجمة الواقدي . قلت : و هذا سند
هالك , و فيه آفات و علل : 1 - طلحة بن عبد
الله , مجهول الحال , قال يعقوب بن
شيبة : " لا علم لي به " , و وثقه ابن حبان على
قاعدته . 2 - شعيب بن طلحة ,
مثل أبيه , قال ابن معين : " لا أعرفه " . و
قال معن ( ابن عيسى ) : " لا يكاد
يعرف " . و تباين فيه رأي أبي حاتم , و
الدارقطني فقال الأول : " لا بأس به " !
و قال الآخر : " متروك " . 3 - الواقدي و هو
كذاب كما قال الإمام أحمد , و قال
ابن المديني و ابن راهويه و أبو حاتم و النسائي
: " يضع الحديث " . 4 - ابن
ريسان قال الخطيب و محمد بن مسلمة : " كذاب " .
( تنبيه ) و ما سبق من أقوال الأئمة في الواقدي
, جرح مفسر لا خفاء فيه , فلا
تلتفت بعد ذلك إلى محالة ابن سيد الناس في
مقدمة كتابه " عيون الأثر " ( ص 17 -
21 ) المدافعة عنه اعتمادا منه على توثيق من
وثقه , ممن لم يتبين له حقيقة أمره
, و لا إلى قول ابن الهمام معبرا عن رأي
الحنفية فيه : " و الواقدي عندنا حسن
الحديث " , كما نقله الشيخ أبو غدة الكوثري ( !
) في تعليقه على " قواعد في
علوم الحديث " للتهانوي ( ص 349 ) , بمناسبة
قول التهانوي هذا في صدد رده على
قول الحافظ في " الفتح " : " و قد تعصب مغلطاي
للواقدي , فنقل كلام من قواه و
وثقه , و سكت عن ذكر من وهاه و اتهمه , و هم
أكثر عددا و أشد إتقانا , و أقوى
معرفة من الأولين ... و قد أسند البيهقي عن
الشافعي أنه كذبه " . فرده التهانوي
بقوله : " و لم يتعصب مغلطاي للواقدي , بل
استعمل الإنصاف , فإن الصحيح في
الواقدي التوثيق " ! أقول : فلا تغتر بهؤلاء
الذين مالوا إلى توثيقه , فإنهم
خالفوا القاعدة المتفق عليها عند المحدثين أن
الجرح المفسر مقدم على التعديل ,
و لعل الحنفية يقولون هنا كما قالوا فيما جرح
به أبو حنيفة رحمه الله : إن مصدر
ذلك التعصب ! و بذلك طعنوا في أئمة المسلمين
بغير حق , في سبيل تخليص رجل منهم
مما قيل فيه بحق . فاعتبروا يا أولي الأبصار .
و بعد كتابة ما سبق رأيت للشيخ
زاهد الكوثري كلاما حسنا حول جرح الواقدي اتبع
هنا سبيل أئمة الحديث و أقوالهم
, فأرى أنه لا بأس من نقل كلامه ملخصا , لا
احتجاجا به - فليس هو عندنا في موضع
الحجة - و إنما ردا به على متعصبة الحنفية - و
هو منهم - الذين لا يبالون
بمخالفة أقوال أئمة الحديث و نقاده , إذا كان
لهم في ذلك هوى , كما فعل
التهانوي , و قلده أبو غدة الكوثري , مع أنه
خلاف قول شيخه الكوثري الذي يفخر
بالانتساب إليه , فقد قال في " مقالاته " ( ص
41 - 44 ) في صدد رده على من احتج
بحديث الواقدي المتقدم برقم ( 14 ) : " انفرد
بروايته من كذبه جمهرة أئمة النقد
بخط عريض , فقال النسائي في " الضعفاء " :
الكذابون المعروفون بالكذب على رسول
الله صلى الله عليه وسلم أربعة : الواقدي
بالمدينة . و قال البخاري : قال أحمد
: الواقدي كذاب . و قال ابن معين : ضعيف ليس
بثقة . و قال أبو داود : لا أشك
أنه كان يفتعل الحديث . و قال أبو حاتم : كان
يضع . كما في " تهذيب التهذيب " و
غيره . و جرح هؤلاء مفسر لا يحتمل أن يحمل
التكذيب في كلامهم على ما يحتمل
الوهم كما ترى , و إنما مدار الحكم على الخبر
بالوضع أو الضعف الشديد من حيث
الصناعة الحديثية هو انفراد الكذاب أو المتهم
بالكذب أو الفاحش الخطأ , لا
النظر إلى ما في نفس الأمر , لأنه غيب .
فالعمدة في هذا الباب هي علم أحوال
الرواة , و احتمال أن يصدق الكذاب في هذه
الرواية مثلا احتمال لم ينشأ من دليل
فيكون وهما منبوذا " . و من الغرائب أن يغتر
بتوثيق الواقدي بعض متعصبة الشافية
, ما سبب ذلك إلا غلبة الأهواء , و الجهل بهذا
العلم على كثير من الكتاب
كالدكتور البوطي الذي اعتمد على روايات الواقدي
و صححها في كتابه " فقه السيرة
" , كما تراه مفصلا في ردي عليه في رسالة
مطبوعة , فليراجعها من شاء . و قد قصر
الكلام على الحديث بعض الأئمة ! فأعله الهيثمي
في " المجمع " ( 10 / 360 )
بالواقدي فقط , فقال : " و هو ضعيف جدا " . و
نقله عنه المناوي في " الفيض "
بإسقاط لفظ " جدا " ! و أغرب منه قول الحافظ
السخاوي في " المقاصد " ( 206 ) :
" و رجاله موثقون , إلا أنه نقل عن الدارقطني
في شعيب أنه متروك , و الأكثر على
قبوله " . قلت : و هذا قصور فاحش من مثل هذا
الحافظ , فكيف يصح إعلال الحديث
برجل مختلف فيه و لم يتهم , و في الطريق إليه
كذابان ?! و ممن قصر فيه أيضا
الشيخ العجلوني في " كشف الخفاء " ( 1 / 213 )
, فإنه نقل كلام السخاوي باختصار
, و أقره ! و لا عجب في ذلك فهو في الحديث ناقل
مقلد , و ليس بالعالم المجتهد .
أقول : و حري بمثل هذا الحديث الباطل أن لا
يرويه إلا مثل هذين الكذابين , فإنه
حديث خطير يقضي على باب كبير من أبواب التربية
و الإصلاح في الشرع , ألا و هو
باب الوعيد و ما فيه من الآيات و الأحاديث في
إيعاد العصاة من هذه الأمة بالنار
الموقدة *( التي تطلع على الأفئدة )* , و
الأحاديث الصحيحة في بيان هذا كثيرة
جدا أذكر بعض ما يحضرني الآن منها على سبيل
المثال : 1 - " ثلاث لا يكلمهم الله
يوم القيامة و لا ينظر إليهم و لا يزكيهم و لهم
عذاب أليم : المسبل إزاره و
المنان الذي لا يعطي شيئا إلا منة , و المنفق
سلعته بالحلف الكاذب " . رواه
مسلم عن أبي ذر و هو مخرج في " إرواء الغليل "
( 892 ) و " تخريج الحلال " (
170 ) . 2 - " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم
القيامة و لا يزكيهم و لا ينظر إليهم و
لهم عذاب أليم : شيخ زان , و ملك كذاب و عائل
مستكبر " . رواه مسلم عن أبي
هريرة . 3 - قوله صلى الله عليه وسلم في حديث
الشفاعة : " حتى إذا فرغ الله من
القضاء بين عباده و أراد أن يخرج من النار من
أراد أن يخرج ممن كان يشهد أن لا
إله إلا الله أمر الله الملائكة أن يخرجوهم ,
فيعرفونهم بعلامة آثار السجود , و
حرم الله على النار أن تأكل من ابن آدم أثر
السجود , فيخرجونهم قد امتحشوا "
<2> رواه الشيخان عن أبي هريرة . و في حديث أبي
سعيد : فيخرجون خلقا كثيرا قد
أخذت النار إلى نصف ساقيه , و إلى ركبتيه و ...
" . رواه مسلم . فهذه الأحاديث
و غيرها صريحة في بطلان هذا الحديث , إذ كيف
يكون العذاب أليما و هو كحر الحمام
?! بل كيف يكون كذلك و قد أحرقتهم النار , و
أكلت لحمهم , حتى ظهر عظمهم ?! و
بالجملة فأثر هذا الحديث سيء جدا لا يخفى على
المتأمل فإنه يشجع الناس على
استباحة المحرمات , بعلة أن ليس هناك عقاب إلا
كحر الحمام !
-----------------------------------------------------------
[1] الأصل : حدثنا , و التصويب من " المقاصد
الحسنة " و تراجم الرجال .
[2] أي احترقوا , و المحش احتراق الجلد و ظهور
العظم . كذا في " الفتح " . اهـ
. |