|
" ما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسن , و
ما رآه المسلمون سيئا فهو عند الله سيء " .
قال الألباني في " السلسلة الضعيفة و الموضوعة
" ( 2 / 17 ) :
$ لا أصل له مرفوعا $ . و إنما ورد موقوفا على
# ابن مسعود # قال : " إن الله
نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله
عليه وسلم خير قلوب العباد ,
فاصطفاه لنفسه , فابتعثه برسالته , ثم نظر في
قلوب العباد بعد محمد صلى الله
عليه وسلم فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد ,
فجعلهم وزراء نبيه , يقاتلون على
دينه فما رأى المسلمون ...... " إلخ . أخرجه
أحمد ( رقم 3600 ) و الطيالسي في "
مسنده " ( ص 23 ) و أبو سعيد ابن الأعرابي في "
معجمه " ( 84 / 2 ) من طريق
عاصم عن زر بن حبيش عنه . و هذا إسناد حسن . و
روى الحاكم منه الجملة التي
أوردنا في الأعلى و زاد في آخره : " و قد رأى
الصحابة جميعا أن يستخلفوا أبا
بكر رضي الله عنه " و قال : " صحيح الإسناد " و
وافقه الذهبي . و قال الحافظ
السخاوي : " هو موقوف حسن " . قلت : و كذا رواه
الخطيب في " الفقيه و المتفقه "
( 100 / 2 ) من طريق المسعودي عن عاصم به إلا
أنه قال : " أبي وائل " بدل " زر
بن حبيش " . ثم أخرجه من طريق عبد الرحمن بن
يزيد قال : قال عبد الله : فذكره .
و إسناده صحيح . و قد روي مرفوعا و لكن في
إسناده كذاب كما بينته آنفا . و إن
من عجائب الدنيا أن يحتج بعض الناس بهذا الحديث
على أن في الدين بدعة حسنة , و
أن الدليل على حسنها اعتياد المسلمين لها ! و
لقد صار من الأمر المعهود أن
يبادر هؤلاء إلى الاستدلال بهذا الحديث عندما
تثار هذه المسألة و خفي عليهم . أ
- أن هذا الحديث موقوف فلا يجوز أن يحتج به في
معارضة النصوص القاطعة في أن "
كل بدعة ضلالة " كما صح عنه صلى الله عليه وسلم
.
ب - و على افتراض صلاحية الاحتجاج به فإنه لا
يعارض تلك النصوص لأمور : الأول :
أن المراد به إجماع الصحابة و اتفاقهم على أمر
, كما يدل عليه السياق , و يؤيده
استدلال ابن مسعود به على إجماع الصحابة على
انتخاب أبي بكر خليفة , و عليه
فاللام في " المسلمون " ليس للاستغراق كما
يتوهمون , بل للعهد . الثاني : سلمنا
أنه للاستغراق و لكن ليس المراد به قطعا كل فرد
من المسلمين , و لو كان جاهلا
لا يفقه من العلم شيئا , فلابد إذن من أن يحمل
على أهل العلم منهم , و هذا مما
لا مفر لهم منه فيما أظن . فإذا صح هذا فمن هم
أهل العلم ? و هل يدخل فيهم
المقلدون الذين سدوا على أنفسهم باب الفقه عن
الله و رسوله , و زعموا أن باب
الاجتهاد قد أغلق ? كلا ليس هؤلاء منهم و إليك
البيان : قال الحافظ ابن عبد
البر في " جامع العلم " ( 2 / 36 - 37 ) : " حد
العلم عند العلماء ما استيقنته
و تبينته , و كل من استيقن شيئا و تبينه فقد
علمه , و على هذا من لم يستيقن
الشيء , و قال به تقليدا , فلم يعلمه , و
التقليد عند جماعة العلماء غير
الاتباع , لأن الاتباع هو أن تتبع القائل على
ما بان لك من صحة قوله , و
التقليد أن تقول بقوله و أنت لا تعرفه و لا وجه
القول و لا معناه " <1> . و
لهذا قال السيوطي رحمه الله : " إن المقلد لا
يسمى عالما " نقله السندي في
حاشية ابن ماجة ( 1 / 7 ) و أقره . و على هذا
جرى غير واحد من المقلدة أنفسهم
بل زاد بعضهم في الإفصاح عن هذه الحقيقة فسمى
المقلد جاهلا فقال صاحب " الهداية
" تعليقا على قول الحاشية : " و لا تصلح ولاية
القاضي حتى ... يكون من أهل
الاجتهاد " قال ( 5 / 456 ) من " فتح القدير "
: " الصحيح أن أهلية الاجتهاد
شرط الأولوية , فأما تقليد الجاهل فصحيح عندنا
, خلافا للشافعي " . قلت : فتأمل
كيف سمى القاضي المقلد جاهلا , فإذا كان هذا
شأنهم , و تلك منزلتهم في العلم
باعترافهم أفلا تتعجب معي من بعض المعاصرين من
هؤلاء المقلدة كيف أنهم يخرجون
عن الحدود و القيود التي وضعوها بأيديهم و
ارتضوها مذهبا لأنفسهم , كيف يحاولون
الانفكاك عنها متظاهرين بأنهم من أهل العلم لا
يبغون بذلك إلا تأييد ما عليه
العامة من البدع و الضلالات , فإنهم عند ذلك
يصبحون من المجتهدين اجتهادا مطلقا
, فيقولون من الأفكار و الآراء و التأويلات ما
لم يقله أحد من الأئمة المجتهدين
, يفعلون ذلك , لا لمعرفة الحق بل لموافقة
العامة ! و أما فيما يتعلق بالسنة و
العمل بها في كل فرع من فروع الشريعة فهنا
يجمدون على آراء الأسلاف , و لا
يجيزون لأنفسهم مخالفتها إلى السنة , و لو كانت
هذه السنة صريحة في خلافها ,
لماذا ? لأنهم مقلدون ! فهلا ظللتم مقلدين أيضا
في ترك هذه البدع التي لا
يعرفها أسلافكم , فوسعكم ما وسعهم , و لم
تحسنوا ما لم يحسنوا , لأن هذا اجتهاد
منكم , و قد أغلقتم بابه على أنفسكم ?! بل هذا
تشريع في الدين لم يأذن به رب
العالمين , *( أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين
ما لم يأذن به الله )* و إلى
هذا يشير الإمام الشافعي رحمة الله عليه بقوله
المشهور : " من استحسن فقد شرع "
. فليت هؤلاء المقلدة إذ تمسكوا بالتقليد و
احتجوا به - و هو ليس بحجة على
مخالفيهم - استمروا في تقليدهم , فإنهم لو
فعلوا ذلك لكان لهم العذر أو بعض
العذر لأنه الذي في وسعهم , و أما أن يردوا
الحق الثابت في السنة بدعوى التقليد
, و أن ينصروا البدعة بالخروج عن التقليد إلى
الاجتهاد المطلق , و القول بما لم
يقله أحد من مقلديهم ( بفتح اللام ) , فهذا
سبيل لا أعتقد يقول به أحد من
المسلمين . و خلاصة القول : أن حديث ابن مسعود
هذا الموقوف لا متمسك به
للمبتدعة , كيف و هو رضي الله عنه أشد الصحابة
محاربة للبدع و النهي عن اتباعها
, و أقواله و قصصه في ذلك معروفة في " سنن
الدارمي " و " حلية الأولياء " و
غيرهما , و حسبنا الآن منها قوله رضي الله عنه
: " اتبعوا و لا تبتدعوا فقد
كفيتم , عليكم بالأمر العتيق " . <2> فعليكم
أيها المسلمون بالسنة تهتدوا و
تفلحوا .
-----------------------------------------------------------
[1] قلت : تأمل هذا النص من هذا الإمام و نقله
عن العلماء التفريق بين الاتباع
و التقليد , و عض عليه بالنواجذ , فإنه من
العلم المجهول اليوم حتى عند كثير من
حملة شهادة الدكتوراة الشرعية , فضلا عن غيرهم
. بل إن بعضهم يجادل في ذلك أسوأ
المجادلة , و يكابر فيه أشد المكابرة , و إن
شئت التفصيل فراجع كتاب " بدعة
التعصب المذهبي " لصاحبنا الأستاذ الفاضل محمد
عيد عباسي ( ص 33 - 39 ) .
[2] راجع تخريجه مع بعض الآثار الأخرى في
رسالتي : " الرد على التعقيب الحثيث "
. اهـ . |