الحمد لله والصلاة
والسلام على نبينا محمد وعلى آله
وصحبه وبعد :
قد قال النبي صلى
الله عليه وسلم ( إياكم ومحدثات
الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل
بدعة ضلالــــة ) رواه الترمذي
وأبو داود وغيرهما ـ وقال ( من
أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهو
رد ) ـ رواه مسلم.
وقد قرر العلماء
على أن من أحدث عبادة بهواه ،
أو جعل عبادة على
هيئة ما بهواه ،
أو خصص عبادة أو
ذكر أو دعاء بفضل مخصوص ، بغير
دليل ،
فهذا هو الإحداث
في الدين المنهي عنه .
ولفظ ( كل ) في
الحديث يدل على العموم ، فكل
إحداث منهي عنه محرم ، ولكن قد
يكون الأمر من الوسائل المباحة ،
وليس من البدع ، كتنقيط المصاحف ،
ورفع صوت المؤذن بالمكبرات .. إلخ
، فهذا يدخل في باب ( الوسائل لها
حكم المقاصد ) ، وليس في باب (
الإحداث في الدين ) ، وكم حدث
بسبب الخلط بين البابين ، من سوء
فهم .
ومعلوم أن الحفاظ
على الدين نقيا كما أنزل ، خاليا
من البدع ، من مقاصد الدين العامة
العظيمة ، وفتح باب الإحداث ،
بحجة البدعة الحسنة ، من أعظم
الأخطار على الشريعة .
ذلك أنه لو فتح
الباب ، لقام كلّ شخص يستحسن
بهواه ما يستحسنه ، ويضيفه إلى
دين الله ، فتضيع السنة ، وتكثر
البدع والمحدثات .
ولو فتح باب
الاستحسان بالهوى ، والقول بالرأي
المحض ، في خصائص آيات القرآن ،
والأدعية ، والأذكار ، وفضائلها ،
لأدّى ذلك إلى فوضى لاتحصى ،
فالواجب الاقتصار في ذلك على ما
ورد في السنة من المأثورات ، وما
يستند على النصوص الواردات .
ولأنّ في دعوى أنّ
هذا الدعاء مجرب في الزواج ،
وذاك الدعاء مجرب في جلب الأرزاق
، وثالث مجرب في إنجاب الأولاد
..إلخ ، بغير دليل ولا استناد على
أثر ، ولا اعتماد على خبر ،
إشعــار ا بأن النبي صلى الله
عليه وسلم ترك دلالة أمته على خير
نافع ، ولهذا احتيج إلى هذا
الإستدراك ، أو ذالك !!
والحال أننا
وجدنا نبينا صلى الله عليه وسلم
ما ترك شيئا من أبواب الخير إلا
ودل فيه على دعاء له خصيصة ، أو
ذِكـر له فضيلة ، وشرع للمسلم أن
يدعو الله لما ألمـه مطلقا ، من
غير دعوى تخصيص ، لم يرد فيها
تنصيص ، فلمــاذا نعرض عما ورد
إلى استحسان مجرد ؟!
وقــد كان الصحابة
ينهون عن البدع والمحدثات ، أشد
من نهيهم عن المعاصي ، خشية أن
يزاد في الدين ماليس منه.
ولهذا وردفي الأثر
عمر بن يحيى بن عمرو بن سلمه
الهمداني قال : حدثني أبي قال :
كنا نجلس على باب عبد الله بن
مسعود قبل صلاة الغداة ، فإذا خرج
مشينا معه إلى المسجد ، فجاءنا
أبو موسى الأشعري ، فقال : أخرج
إليكم أبو عبد الرحمن بعد ؟
قلنا:لا ، فجلس معنا حتى خرج ،
فلما خرج قمنا إليه جميعا ، فقال
له أبو موسى : يا أبا عبد الرحمن
! إني رأيت في المسجد آنفا أمرا
أنكرته ، ولم أر والحمد لله إلا
خيرا ، قال : فما هو ؟ فقال : إن
عشت فستراه ، قال : رأيت في
المسجد قوما حلقا جلوسا ، ينتظرون
الصلاة ، في كل حلقة رجل ، وفي
أيديهم حصى ، فيقول : كبروا مائة
، فيكبرون مائة ، فيقول : هللوا
مائة ، فيهللون مائة ، ويقول
سبحوا مائة ، فيسبحون مائة ، قال
: فماذا قلت لهم ؟ قال : ما قلت
لهم شيئا انتظار رأيك ، قال :
أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم ،
وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم
شيء ؟ ثم مضى ومضينا معه ، حتى
أتى حلقة من تلك الحلق ، فوقف
عليهم ، فقال : ما هذا الذي أراكم
تصنعون ؟ قالوا : يا أبا عبد
الرحمن ! حصى نعد به التكبير
والتهليل والتسبيح ، قال : فعدوا
سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من
حسناتكم شيء ، ويحكم يا أمة محمد
! ما أسرع هلكتكم ! هؤلاء صحابة
نبيكم صلى الله عليه وسلم
متوافرون ، وهذه ثيابه لم تبل ،
وآنيته لم تكسر ، والذي نفسي بيده
إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة
محمد ، أو مفتتحو باب ضلالة ؟ !
قالوا : والله يا أبا عبد الرحمن
! ما أردنا إلا الخير ، قال : وكم
من مريد للخير لن يصيبه رواه
الدارمي
والله اعلم
الشيخ حامد العلي