- الرئيسية
- الفقه والعقيدة
- معالجة قسوة القلب
معالجة قسوة القلب
- By ENG MOSLEM
- نشرت 01/9/2010
- الفقه والعقيدة
-
التقيم:




كثيرٌ من الناس يسألون بين الحين والآخر عن السبب في أنهم لا يجدون لذة العبادة عندما يُقْبِلُوْنَ بها إلى الله عز وجل، يحاولون أن يتمتعوا بالخشوع ولا يتأتَّى لهم ذلك، يحاولون أن تكون مشاعرهم متجهة إلى الله عز وجل في وقوفهم بين يديه ولكن لا يتأتَّى لهم ذلك، وتشرد بهم أفكارهم ذات اليمين وذات الشمال.
والجواب أن السبب في ذلك "حجاب النعم" التي يغدقها الله سبحانه وتعالى على عباده كالقوة التي يتمتعون بها، والغنى الذي يكرمهم الله عز وجل به، والمعارف والعلوم التي يمتعهم الله سبحانه وتعالى بها، من شأن هذه النعم أن تنسي الإنسانَ ضعفَه، أن تنسي الإنسان عجزه ومخلوقيته ومملوكيته لله سبحانه وتعالى وأن تزجه في وَهْمٍ من الاستقلال بالذات، في وهم من الغنى والقوة الذاتية.. ومن ثم فإن هذا الذي يقف بين يدي الله عز وجل وقد حُجِبَ عن الله سبحانه وتعالى بهذه النعم ينسى حاجته إلى الله وينسى فقره بين يدي الله عز وجل، فما الذي يجعله يخشع وهو يتخيل ويتصور غناه واستقلاله؟ ما الذي يجعله يدرك أنه بين يدي الله وأنه يخاطب الله وأن الله يراقبه وأن النعم التي يكرمه الله عز وجل بها تطوف بالنشوة في رأسه؟
هذا هو السبب، ولكن ما العلاج؟
العلاج أن يعلم الإنسان أنه كتلة من الضعف والعجز، وأن الفقر هوية ذاتية موجودة في كيانه، وأن النعم التي يتمتع بها ـ أياً كانت ـ إنما هي عوارض تأتي اليوم وتذهب غداً. إن الذي أبرز الإنسان إلى الوجود إنما هو الخالق عز وجل، أوجده عارياً إلا من فقره، تائهاً إلا من ذله، عاجزاً بل جاهلاً إلا بضعفه.
إذا أدرك الإنسان هذه الحقيقة وعلم أنها هي هويته دائماً مهما رأى نفسه غنياً ومهما رأى نفسه قوياً ومهما رأى نفسه متمتعاً بالمعارف والعلوم؛ فإن إدراكه لهويته يجذبه إلى الخشوع بين يدي مولاه وخالقه، وانظروا إلى هذا المعنى كيف جسده بيان الله عز وجل في قوله سبحانه وتعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفاً}[النساء:28]، أي إن الضعف وُجِدَ مصاحباً لِخَلْقِ الإنسان ولم يأت من بعد الخَلْقِ.
وانظروا إلى قوله سبحانه وتعالى: {الله الذي خلقكم من ضعف}، أي كينونته هي الضعف ذاتها، وإنما يريد الباري عز وجل من هذا أن يبين لنا أن نعمة القوة ونعمة العلم والرفاهية والغنى ما ينبغي أن ينسينا كل ذلك الهوية التي خُلِقْنَا بها، ينبغي أن نعلم أن هذه النعم الوافدة إلينا إنما هي عوارض، والعوارض تأتي اليوم وتذهب غداً.
هذا هو العلاج الذي ينبغي أن يأخذ الإنسان نفسه به، فإن هو فَعَلَ ذلك تخلص من هذه المشكلة التي يشكو منها.
ولننظر ـ أيها الأحبة ـ إلى بالغ لطف الله سبحانه وتعالى إذ يبتلي الإنسان بين الحين والآخر بالابتلاءات المتنوعة كالمرض يبعثه في جسمه، وكالفقر يبتليه به بعد الغنى، وكالضعف يبتليه به بعد القوة، والاضطراب يرسله إليه بعد الأمن والطمأنينة، وصدق الله القائل: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الانبياء:35]، {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ} [البقرة:155].. لماذا؟ أين هو مظهر اللطف الرباني في هذه الابتلاءات؟
مظهر اللطف أن مولانا جلَّ جلاله يحب منا ألا نَسْكَرَ بالنعم التي يغدقها علينا وألا تحجبنا هذه النعم عن مراقبته، وألا تنسينا هويتنا أننا مخلوقون من الضعف وآيلون إلى الضعف، كيف السبيل إلى ذلك؟!!
لو أن كانت النعمة مستمرة دائمة إذا لكانت حاجزاً ولأنستنا هذه النعم هوياتنا وضعفنا، ولكن الله عز وجل عندما يبتلي عباده بين الحين والآخر بهذه المصائب يخفي المال والغنى ليرسل إليه عوضاً عنه الفقر، يخفي ويستل منه العافية ليرسل إليه نوعاً من الأمراض، يستل منه الأمن الطمأنينة ليرسل إليه طائفاً من الخوف والاضطراب لكي يصحو الإنسان بهذا إلى حقيقة أمره وليعلم أن هذه النعم التي تفد إليه إنما هي ـ كما قلت لكم ـ عوارض، والنعم العارضة لا يمكن أن تحل محل الهوية الإنسانية الأساسية،
ربنا عز وجل يقول: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ} [النحل: 78]، أي أنك يا ابن آدم ضعيف في كينونته، كتلة عجز في هويته، أما النعم التي تُسْكِرُكَ بين الحين والآخر فإنما هي عوارض أرسلتها إليك؛ فلا تحجبنك هذه العوارض عن هويتك.
إذا علم الإنسان هذه الحقيقة وأدركها لاسيما عندما يجد المحن التي تمتزج مع المنح والنعم فلسوف يزول هذا الإشكال ولن يسأل هذا الإنسان سؤاله هذا عندما يعلم عجزه.
إن كانت النعم مقبلة إليه التجأ إلى الله يسأله أن يستبقيها وإن كانت النعم أو بعضها مدبرة عنه التجأ إلى الله أن يعيدها إليه فهو في كل الأحوال ملتجئ إلى الله عز وجل، هذه حقيقة ينبغي أن نعلمها يا عباد الله.
إن من العجيب المؤسف أن الإنسان في كثير من الأحيان يحتاج إلى أن يأخذ العظة والدرس من الأطفال الصغار وهو الرجل الكبير الذي يتمتع بالوعي والعلوم والمعارف، أرأيتم إلى الطفل يمسكه والده من عضديه ويلصقه بصدره ويشرف به على وادٍ سحيق ماذا يصنع هذا الطفل والأب يحتضنه وهو يمسك به؟ إنه يرتجف خوفاً ويرسل إلى أبويه مشاعر الاستعطاف والاسترحام من خلال عينيه إلى أبويه ألا يتركه وأن يظل ممسكاً به وأن يظل متشبثاً به وهو يعلم أنه في حضن أبيه وهو يعلم كيف أن والده يمسكه من عضديه ومع ذلك فهو يعلم أنه عاجز، الطفل يعلم هويته، يعلم أنه لا يملك من أمر نفسه شيئاً، لا يستطيع أن يرد غائلة الأذى عن نفسه إن هو استقل بأمره ولذلك فهو يرسل نظرات الاستعطاف إلى أبيه متشبثاً به في حالةٍ من الازدياد والتعلق الشديد بصدره كي لا يرسله ويتركه، لماذا لا يكون شأننا مع مولانا وخالقنا كشأن هذا الطفل مع أبيه؟
أنا أعلم ـ كما يعلم هذا الطفل ـ أنني لا أملك إن استقللت بأمر نفسي، لا أملك شيئاً من حياتي، لا أملك أي مُقَوِّمٍ من مقومات عيشي، في اللحظة التي يتخلى الله عز وجل فيها عني أتحول إلى لا شيء، فلماذا لا يكون شأني مع مولاي وخالقي كشأن هذا الطفل مع أبيه؟!
حتى ولو كانت الحفاوة موجودة مرسلة من الله إلي ينبغي أن أعلم أنني معرض للهلاك، ينبغي أن أعلم أنني لا أستطيع أن أستقل بأمر نفسي شيئاً.
هذا هو الجواب لمن يسأل هذا السؤال.
زيارة المرضى
ولكن إذا كانت قسوة القلب فينا نحن المسلمين قد بلغت مبلغاً تتغلب حتى على هذه الحقيقة التي أبينها لكم فإني أنصح نفسي وأنصح مثلَ هذا السائل وأقول: زُرْ المشافي بين الحين والآخر، انظر إلى حال المرضى وهم يعانون من الأمراض المتنوعة المختلفة، تأمل في حال هؤلاء المرضى الذين ذَوَتْ منهم الوجوه وضؤلت فيهم الأجسام، اصغِ إلى الأنين الذي يرتفع من صدورهم وحلوقهم، اصغِ إلى الأوجاع التي تنتابهم والتي يتقلبون في غمارها صباح ومساء.
كانوا مثلك في العافية بل أقوى، وكانوا يتمتعون بمثل ما تتمتع به من العافية ورغد العيش، سَلْهُمْ عن الكنوز المالية وقيمتها يقل لك كل واحد منهم: خُذْ كل ما أملكه من كنوز، خُذْ كل ما أملكه من مدخرات وأَعِدْ إلي نعمة العافية.. أليس هذا دليلاً على الإنسان خُلِقَ من ضعف وأنه آيلٌ إلى الضعف؟!
زيارة القبور
فإن كانت القسوة القلبية ما تزال مصاحبة لك فأضف إلى ذلك زيارة القبور، انظر إلى هذه القبور وانظر إلى الأرض المحشوة بجثث بل بعظام أناسٍ كانوا من أمثالك، كانوا فارهين، كانوا يتمتعون برغد العيش، كانوا محجوبين مثلك بالنعم عن المنعم، وانظر إلى ما آل أمرهم، تأمل في الجنائز التي تُحْمَل لتلقى في الحفر التي أعدت لهم، ربما كان داخل هذا النعش فتاة ذات قامة ميساء وجمال باهر وعينين ساحرتين.. لماذا آل أمرها إلى هذا الشبح المرعب لماذا؟! ربما كان هذا الذي يمتد داخل هذا النعش ملفوفاً في أكفانه قائداً عظيماً إذا نطق أصغت الدنيا كلها إلى قراره وحكمه، ذا إرادة نافذة، ذا سلطان قاهر، لماذا يستسلم اليوم إلى هؤلاء الذين يحملونه إلى حفرته؟!
تأمل في هذا الذي أقوله لك تعد إلى دارك وأنت تعلم أنك مهما كنت غنياً، مهما كنت عالماً، مهما كنت قوياً فأنت ضعيف وأنت كتلة ضعف وعجزٍ بين يدي مولاك وخالقك سبحانه وتعالى.
أليس هذا الدواء كافياً يا عباد الله أليس هذا العلاج كافياً لكل من أسكرته نعمة القوة، لكل من أسكرته نعمة الحكم، لكل من أسكرته نعمة العلم والاكتشافات والرفاهية؟! صدق الله القائل: {وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ}[يّـس: من الآية68]، غلافان من الضعف، غلاف ضعف انطلقنا منه يوم الولادة وغلاف من الضعف والعجز ننتهي إليه عند الموت.
اللهم لا تنسنا فضلك، اللهم اجعلنا إذا وقفنا بين يديك لا نتيه عن ربوبيتك ولا نتيه عن ذل عبوديتنا لك.. أمين.
أنشر المقالة
35 Responses to "معالجة قسوة القلب" 
|
said this on 21 Feb 2010 4:49:45 AM CST
بارك الله فيك
|
|
said this on 22 Feb 2010 10:58:01 AM CST
BARAKA LLAHO FIKOM WAJAZAKOM KOULA KIR
|
|
said this on 01 Mar 2010 11:27:15 AM CST
جزاك الله خير الجزاء ورزقنا الله وياك بى الايمان ا لابدكر الله تتمئن القلوب
|
|
said this on 14 Mar 2010 7:14:14 PM CST
jazéké allahou koullé 5air
|
|
said this on 13 Apr 2010 6:07:50 AM CST
mashallah, tabark allah, wa la 7awla wala 9owaata illa billah
|
|
said this on 15 Apr 2010 4:03:20 AM CST
Asalamo 3alaykom w l7amdolellah 3ala ne3met elislam w ochhidou allah al3aziz bi2ani motdhalilaton ilayhi moftakiraton ilayhi w la 7awla w la kowata ila billah.Alahoma a3ena 3ala ta3atek w na3udhou bika min an natakabar bini3imaka 3alayna w ej3alna mina echakirin el7amidin w la taj3alna mina lghafilin 3ala chokrika line3imeka 3alyna w sali w salem alahoma 3ala l7abib lmostafa.Jazakom allho 5ayran w ajma3ana bikom fi lfardawse el2a3la ya rab.AMIN.
|
|
said this on 27 Apr 2010 12:55:33 PM CST
مـــــــــــــــــاشا الله عليك ياشيخنا ذادك الله علماً ورفعه وجعلك من الذين يدخلون الجنه بلا حســـــــــــــــــــــــــــــاب
الموضوع يعجب كل الناس وتقييمه حسنات من الله تتنزل عليك فذد الامه من الارشاد وساعد في نشر الوعي والجهاد
بالكلمه لابالسيف وهذا اجدر ان يستمع ويقرءه العامه فذدنا زادك الله من فيض نعيم الدنيا والآخرة
|
|
said this on 01 May 2010 7:19:43 AM CST
assalamu aleiku,,,
this topic is very very goog so i undrestood well...
jazakallahu kheyra alfi marrah..
|
|
said this on 01 May 2010 12:05:33 PM CST
جزاك الله كل خير
اللهم يا مقلب القلوب والابصار ثبت قلبي على دينك
اللهم يامصرف القلوب اصرف قلبي الى طاعتك
سبحانك الله وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا اله غيرك
لا حول ولا قوة الا بالله
|
|
said this on 05 May 2010 10:47:49 AM CST
ارسلولي كل اللي يجعلني ابكي وارجع الى الله وكل المرئيات يا شباب انا نفسي اتوب وهذه الاشياء تخليني اخاف وابكي وارجع لربي
|
|
said this on 07 May 2010 2:10:43 PM CST
نفع الله بكم وجزاكم خيرا
|
|
said this on 17 May 2010 7:31:28 PM CST
اللهم اننا الفقراء لك
اللهم انني الذليلة لك
واقفة على بابك فلا تردني خائبة وتكرم علي و ارحمني
ولا تغضب عني.... مالي سواك يا الله يا رب
|
|
said this on 23 May 2010 9:14:17 AM CST
نشكركم ونتمنى لكم التوفيق والسداد وحسن الخاتمة
|
|
said this on 15 Jun 2010 2:26:34 PM CST
بارك الله فيكم وبهذا الموقع الأكثر من رائع
|
|
said this on 24 Jun 2010 5:37:57 AM CST
الحمد لله علي نعمة الاسلام وصحبة الاخيار قراءة من ينفع في اخر الزمان
|
|
said this on 18 Jul 2010 9:58:09 AM CST
mo9laja alkalb
|
|
said this on 18 Jul 2010 10:03:56 AM CST
an fespane wrmadan ja wma lhal yaji
|
|
said this on 13 Aug 2010 7:53:00 AM CST
جزاك الله كل خير اللهم يا مقلب القلوب والابصار ثبت قلبي على دينك اللهم يامصرف القلوب اصرف قلبي الى طاعتك سبحانك الله وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا اله غيرك لا حول ولا قوة الا بالله
|
|
said this on 19 Aug 2010 8:00:57 AM CST
baraka allah fik wajazak kol khayr
|
|
said this on 08 Sep 2010 12:32:29 PM CST
جزاك الله خيرا نسأل الله ان يرزقنا و اياكم والمسلمين اجمعين حسن الخاتمة وان يرزقنا الخشوع و الخضوع لعظمته وجلاله آمين
|
|
said this on 17 Sep 2010 1:43:26 AM CST
maschallah ...god bless islam and all muslman people over the world ...amine amine amine
|
|
said this on 18 Sep 2010 6:01:45 AM CST
اشكركم جزيل الشكر علي هذا النص
|
|
said this on 10 Oct 2010 1:27:44 AM CST
ANA AHMED WA AHMADO LLAH LADI AN3AMA 3ALINA BI NI3AMIH BARAKA LLAH FIKA AKHI
|
|
said this on 20 Oct 2010 1:34:03 PM CST
ksilaq jkkl?H KLQLX QKLL JKKSLO jxkkxl QXJUJl
|
|
said this on 19 Nov 2010 8:22:47 PM CST
السلام عليك ا دكتور عمر عبد الكافي و الله اني احبك في الله واحسبك متل والدي
|
|
said this on 21 Nov 2010 7:43:25 AM CST
salam wa salamo ala moslimine ajma3in allah yatim a3malakom bikhir wasa ha
|

Author)